للوطن العربى حدود جغرافية مشتركة مع 11 دولة فى القارتين الآسيوية والإفريقية. ففى أقصي الشرق العربى هناك الجمهورية الإسلامية فى إيران التى تجاور سبع دول عربية خليجية هى دول مجلس التعاون (المملكة العربية السعودية، الكويت، البحرين، قطر، عمان والإمارات العربية المتحدة) بالإضافة إلي العراق. وفى أقصي الشمال العربى تقع تركيا حيث تجاور كلاً من سوريا والعراق. أما فى أقصي الجنوب والغرب فيحد الوطن العربى تسع دول إفريقية هي إريتريا وإثيوبيا وتشاد وأوغندا وزائير وإفريقيا الوسطي والنيجر ومالى والسنغال، التى لها حدود مشتركة مع كل من السودان والصومال وجيبوتى وليبيا والجزائر والمغرب وموريتانيا.
وأول ما يسترعى الانتباه بالنسبة لدول الجوار الإحدى عشرة المحيطة بالوطن العربى هو تنوع هذه الدول من حيث القدرات والإمكانيات ومن حيث الأهمية السياسية الإقليمية والدولية. فهناك من بين دول الجوار دول صغيرة كل الصغر وأخري كبيرة من حيث المساحة والسكان، كما أن من بين دول الجوار دولاً مستقرة وأخري تعانى من عدم استقرار مزمن وتصنف ضمن الدول الهشة والفاشلة فى العالم، ومن بين هذه الدول تلك الفقيرة كل الفقر ودول أخري غنية بمواردها وقدراتها الإنتاجية، كما أن بعضاً من دول الجوار دول مهمة بالنسبة للنظام العالمى وتنتمى إلي تكتلات سياسة وعسكرية كبري وأخري هامشية وتعانى من الإهمال السياسى. فضلاً عن ذلك فإن بين دول الجوار دولاً مسلمة وتلتقى مع الدول العربية فى التاريخ والتراث الحضارى المشترك وأخري غير مسلمة، ودولاً حديثة الولادة وأخري عريقة وقديمة وتنتمى إلي أقدم الحضارات والإمبراطوريات فى التاريخ. هذا العدد الكبير والتنوع الشديد فى دول الجوار الجغرافى يجعل من الصعب فهم كيف يمكن استيعابها فى رابطة واحدة مهما كانت فكرة هذه الرابطة فذة ومرنة. من الصعب وضع هذه الدول المتباينة كل التباين، والمتباعدة كل التباعد والتى لا يجمعها أى جامع سوي أنها تنتمى إلي الجور الجغرافى العربى فى رابطة واحدة. وحتى لو تم دمجها عنوة فى مؤسسة واحدة من الصعب الخروج بقيمة مضافة من مثل هذه الرابطة للوطن العربى ودول جواره الجغرافى.
وعلي الرغم من أهمية علاقة الوطن العربى بجميع دول الجوار الجغرافى، إلا أن علاقات دوله بكل من إيران وتركيا وإلي درجات أقل إثيوبيا، تستأثر بالأولية السياسية القصوى فى المرحلة الراهنة، فكل دولة من هذه الدول الثلاث تتمتع بقدرات وإمكانيات وموارد بشرية وطبيعية تساوى أو ربما تزيد علي قدرات وإمكانيات الدول العربية القريبة منها والبعيدة. لذلك فإن لهذه الدول دون بقية دول الجوار الجغرافى تأثيرات عميقة علي السياسات والقرارات والإستراتيجيات العربية الفردية والجماعية. وتبدو إيران وتركيا من أكثر دول الجوار حضوراً فى التفكير الإستراتيجى العربى، وهما حتماً الأكثر قدرة علي اختراق النظام الإقليمى العربى والتأثير فى أولوياته خاصة وأن موازين القوي تميل بشكل واضح لصالحهما. فى ظل الضعف العربى، الذى ازداد ضعفاً بعد الغزو والاحتلال الأمريكى للعراق عام 2003. تركيا وإيران المعنيتان مباشرة بفكرة رابطة الجوار العربى تتسمان بنزعات توسعية وطموحات إقليمية وتتصرفان من منطلق قناعة أن الوطن العربى جزء من نطاقهما الجيوسياسى والجيواقتصادى الحيوى. بالنسبة لإيران وتركيا لا تشكل هذه الرابطة أى قيمة إستراتيجية مضافة، بل ربما عبئاً مضافاً يمكن الاستغناء عنه وتجاهله.
لقد تمكنت إيران وتركيا، كل منهما بأسلوبه المختلف، من استغلال ضعف العراق السياسى والعسكرى، والاستفادة القصوى من الضعف السياسى العربى الرسمى، وتعظيم الفائدة من المستجدات الإقليمية والعالمية المتلاحقة من أجل تحقيق أكبر قدر من التمدد فى الشأن العربى. ويلاحظ أن المرحلة الراهنة من علاقة الوطن العربى بهاتين الدولتين، وخاصة بإيران، هى مرحلة تتسم بالحذر الشديد، والتوتر الذى يزداد حدة أحياناً ويتراجع أحياناً، علاوة علي وجود حزمة من الخلافات والنزاعات المزمنة والمستعصية التى أخذت شكل تجاوزات حدودية متكررة، وتصريحات استفزازية متواصلة، وممارسات لا تنم علي احترام مبدأ حسن الجيرة والجوار الجغرافى بما فى ذلك تدخلات فجة فى الشأن الداخلى والإقليمى العربى. لذلك فإن الطريق نحو تأسيس رابطة الجوار العربى يمر عبر حل الخلافات الثنائية أولاً ثم التفكير بالحوار الجماعى ثانياً. بدون حل النزاعات القائمة ونزع فتيل الأزمات المستعصية مع دول الجوار من غير المنطقى تأسيس رابطة تضم 22 دولة عربية و11 دولة من دول الجوار الجغرافى. مثل هذه الرابطة ستضيف أعباء مؤسسية والتزامات سياسية ربما لا ترغب الدول العربية كما دول الجوار تحملها والتجاوب معها فهى غارقة فى الأعباء المؤسسية والمالية والسياسية المكلفة. فكرة رابطة الجوار تتضمن الهروب السياسى من الحاضر إلي المستقبل، وتخلق مشكلة بدلاً من أن تعالج مشكلات قائمة، وتضيف صعوبات عوضاً عن التعامل الخلاق مع الصعوبات المتراكمة.
وعلي الرغم من وجود أطنان من العلاقات الإنسانية والاجتماعية المشتركة والروابط التاريخية والحضارية والمصالح التجارية والاقتصادية والاستثمارية العميقة، فإن جيرة دول الجوار العربى، هى جيرة صعبة وغير مريحة. والسمة السائدة فى علاقات دول الجوار بالدول العربية هى سمة التباعد بدلاً من التقارب، والعداء بدلاً من حسن الجوار. لذلك فإن القاعدة الحاكمة للعلاقات مع دول الجوار العربى هى الصراع وليس التعاون والتعايش السلمى. والعلاقات فى مجملها مؤسسة علي الشك والحذر والتوتر وتغليب التناقضات والخلافات بحيث تحولت دول الجوار الجغرافى من رصيد إنسانى وحضارى محتمل إلي مصدر تهديد إستراتيجى مستديم للوطن العربى. إذا كان الهدف البعيد تحويل دول الجوار من عبء إلي رصيد إستراتيجى للوطن العربى فهذا الهدف يقع ضمن التمنيات الطيبة التى لا تحسن قراءة الوقائع السياسية فى أفضل الأحوال وتتجاهل أبجديات السياسة فى أسوأ الأحوال.
من المهم التعامل مع الوقائع التى تشير إلي أن عوامل التقارب كثيرة لكن عوامل التباعد أكثر وهى التى تتحكم فى العلاقات بين الدول العربية ودول الجوار الجغرافى وخاصة إيران. كما أن العلاقات الودية والتعاونية قائمة وواضحة فى كل لحظة ومناسبة، بيد أن التوترات والأزمات هى الأكثر وضوحاً، وهى السمة البارزة والمميزة لعلاقات الوطن العربى بدول جواره الكبيرة والصغيرة. وتشمل عوامل التوتر بين الدول العربية وإيران وتركيا ودول الجوار الأخرى وجود قوميات عرقية متصادمة خاضت فى ما بينها معارك تاريخية محفورة فى الذاكرة الشعبية الجماعية، ومذاهب متحفزة ومتشككة فى مصداقية بعضها البعض، ومشكلات حدودية لم تحسم بعد الحسم النهائى ولا يتوقع حسمها فى المستقبل القريب، وخلافات مائية متصاعدة تزداد تفاقماً وربما تسببت فى اندلاع معارك أكثر عنفاً مستقبلاً، وطموحات توسعية ونزاعات تدخلية من أجل استعادة أمجاد تليدة علاوة علي اختلال شنيع فى موازين القوي وتباين فى المصالح الوطنية والأجندات السياسية التى لا يمكن القبول بها أو حتى التوفيق بينها.
هذه الخلافات وغيرها هى خلافات حقيقية وجذرية ولا يمكن تجاوزها أو التظاهر بعدم وجودها وتجعل جيرة دول الجوار فى غاية التعقيد بحيث لا يمكن حلها عبر طرح فكرة غامضة كرابطة الجوار العربى. وتزداد هذه الجيرة تعقيداً فى ظل إصرار إيران احتلال جزر الإمارات، طنب الكبري والصغرى وجزيرة أبو موسي حيث ترفض إيران رفضاً قاطعاً إغلاق هذا الملف الحدودى وتعتبره تدخلاً فى شؤونها الداخلية. مثل هذا الموقف الإيرانى المتشدد والمتعنت الذى لا يؤسس لعلاقات صحية ولا يمكن القبول به إماراتياً وخليجياً وعربيا، يحول دون إشراك إيران فى أى عمل مؤسسى يتوجه إلي دول الجوار العربى. كيف يمكن القبول بإيران محتلاً ويتعامل مع الدول العربية المجاورة بمنطق القوة ولا شيء غير القوة والاستعلاء الفج الذى بلغ مؤخراً مستويات قصوى؟ إيران هى حالياً معضلة المعضلات فى العلاقة مع دول الجوار. كما لا يمكن القبول بإيران التشدد والتمدد التى تستغل ضعف النظام الإقليمى العربى بخبث ما بعده خبث، وبانتهازية ما بعدها انتهازية من أجل التمدد فى الشأن العربى وتحويل المنطقة العربية إلي ساحة لاستعراض نفوذها، وبسط سيطرتها، وتصفية حساباتها مع الولايات المتحدة. لكن بدون إيران لا يمكن سياسياً ودبلوماسياً ومؤسسياً السير فى مشروع الجوار العربى. انضمام إيران غير مقبول وعزلها غير معقول. انضمام إيران يعنى إعطاءها الفرصة للدخول إلي الشأن العربى من أوسع الأبواب. كما أنه بدون إيران لا قيمة لرابطة الجوار. السؤال المركزى من سيكون فى موقع القيادة السياسية لمثل هذه الرابطة فى ظل الظروف العربية والمستجدات الإقليمية السائدة؟ الشواهد تؤكد أن القيادة لن تكون عربية بل إيرانية، ومن الغباء السياسى تسليم قيادة الرابطة لقوي إقليمية منافسة، خاصة إيران التى لن تقبل بأقل من الدور القيادى وتجيِّر الرابطة لأجنداتها الإقليمية والدولية التوسعية.
لقد أصبح الحذر العربى من إيران أكثر حدة فى ظل تنامى التخندق المذهبى، وسعى طهران الحثيث لتطوير قدراتها العسكرية والصاروخية والنووية الهجومية التى تعزز سباق التسلح فى المنطقة، وتشكل قلقاً مشروعاً وتحدياً مصيرياً للدول المجاورة فى الخليج العربى كما المجتمع الدولى. مشكلة إيران مركبة حالياً. فهى تعانى حالياً من العزلة السياسية بسبب تحديها المستمر للمجتمع الدولى الذى أصبح أكثر اقتناعاً وإجماعاً بفرض عقوبات اقتصادية جديدة وصارمة علي إيران بسبب تجاهلها لالتزاماتها الدولية خاصة فى مجال برنامجها النووى الإشكالى. لذلك فإن طرح فكرة رابطة الجوار فى هذا التوقيت بالذات يأتى شاذاً ومعاكساً لما يجرى فى العالم. بل إن التوقيت يشير كم أن الدبلوماسية العربية ممثلة فى الأمانة العامة لجامعة الدول العربية تعيش خارج الزمن العالمى وكأنها تتجه به نحو عكس التيار، وتغرد به خارج السرب الدولى. ليس من عادة الدول العربية أن تضع نفسها فى مثل هذا الوضع الدبلوماسى المحرج وعبر مبادرة لا تسمن ولا تغنى من جوع عربيا.
ثم إن مبادرة الجوار الجغرافى بشكلها الراهن تساوى بين الجار الإيرانى الصعب وبين الجار التركى الذى يرغب فى فتح صفحة جديدة مع الوطن العربى ويسعي لتحسين علاقاته التجارية والدبلوماسية مع الدول العربية ويظهر جدية غير مسبوقة ليصبح أكثر تجاوباً وتعاوناً وتفهماً لوجهات النظر العربية تجاه القضية الفلسطينية من أى وقت آخر. شتان بين جيرة تركيا المرحب بها كل الترحيب فى جميع العواصم العربية، وجيرة إيران المتوترة والمرفوضة من العواصم القريبة والبعيدة. تركيا هى النموذج المشرق حالياً لدول الجوار الجغرافى خاصة لجهة توظيفها دبلوماسيتها النشطة والناعمة من أجل إطفاء الحرائق العربية والتصدى للغطرسة الصهيونية. لذلك إذا كان الهدف من رابطة الجوار الجغرافى كسب ود تركيا، فتركيا تجاوزت كثيراً مرحلة كسب الود، حيث إن لديها أجندتها الإقليمية الطموحة التى تتضمن الدخول فى الاتحاد الأوروبى كهدف إستراتيجى عبر سياسة الانفتاح الإيجابى فى تعاملها مع العالم الخارجى بعيداً عن أى هدف عربى آنى وربما انتهازى. المصلحة التركية تحتم الآن التصالح مع محيطها الجغرافى شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً وقد حققت نجاحات ملموسة علي أكثر من صعيد. وتكفى الإشارة إلي أن تركيا هى عضو قديم ومؤسس فى حلف الناتو، أكبر وأقوي حلف عسكرى وسياسى فى التاريخ، وهى عضو مؤسس فى مجموعة العشرين التى تضم أكبر الاقتصاديات وأسرعها نمواً والتى تدير النظام الاقتصادى العالمى. وقطعت شوطاً ضخماً فى سياق سعيها للانضمام إلي الاتحاد الأوروبى أكبر تكتل اقتصادى وتجارى فى العالم. تركيا مرتاحة كل الارتياح فى تعاملها مع العالم الخارجى وتتحدث مع الغرب الحضارى والسياسى بمنطق الاحترام والمصالح المتبادلة فى الوقت الذى تؤكد أنها جزء أصيل من الشرق الحضارى والعالم الإسلامى والمحيط العربى. الغرب كما الشرق يخطب ود تركيا ويكن الاحترام لنهجها التصالحى، ورابطة الجوار العربى لا تضيف أى رصيد سياسى ومعنوى ملموس للدبلوماسية التركية، بل هى تحصيل حاصل.
ومن المهم التذكير أن تركيا التى تسعي جاهدة لتحسين علاقاتها العربية مستمرة فى نفس الوقت فى تعاونها الإستراتيجى العميق مع العدو الإسرائيلى الموجه فى معظمه ضد سوريا. لقد أكدت النخبة السياسية والعسكرية التركية مراراً وتكراراً الرغبة فى تعميق التحالف العسكرى مع العدو الإسرائيلى. بل تنطلق هذه النخبة من أن العلاقات مع إسرائيل هى من ثوابت السياسة الخارجية التركية، وأن هذه العلاقة كانت وستظل مهمة ومربحة وغير قابلة للمقايضة بعلاقاتها الاقتصادية والتجارية المتنامية مع الدول العربية. لذلك وحتى فى ظل حكومة إسلامية متعاطفة مع جوارها العربى لم تتراجع أنقرة إطلاقاً عن الاتفاق الأمنى مع إسرائيل والذى يتضمن بنداً يعطى السلاح الجوى الإسرائيلى الحق فى استخدام المجال الجوى التركى الواسع الذى يمكنه من تدريب طياريه علي الأهداف الإستراتيجية البعيدة، وممارسة حق مراقبة الحدود مع سوريا والعراق وإيران من أجل جمع البيانات الميدانية. كذلك من المهم التأكيد علي أن صورة العرب فى الإدراك التركى الشعبى ليست فى أحسن حالاتها. ففى تركيا يبدو العربى متخلفاً وخائناً وعدواً لتركيا. وتستمد هذه الصورة السلبية من الاعتقاد السائد علي نطاق واسع أن الدول العربية تآمرت خلال القرن الماضى مع الغرب ضد الإمبراطورية العثمانية الأمر الذى أدي إلي هزيمتها أمام الحلفاء فى الحرب العالمية الأولي. لا شك أن تركيا هى اليوم رصيد مهم للأمة العربية ومرحب بها كعضو فى رابطة الجوار الجغرافى، لكن هذا لا يعنى تجاهل الحقائق وتناسى الماضى، وتجاوز المستقبل المنفتح علي كل الاحتمالات بما فى ذلك حدوث ردة جذرية فى الموقف التركى تجاه الوطن العربى فى حال عدم استمرار حكومة رجب طيب أردوغان فى الحكم.
فى ضوء تعقيدات العلاقة مع الجوار الجغرافى فإن فكرة رابطة دول الجوار العربى التى طرحت خلال انعقاد القمة العربية فى مدينة سرت الليبية بقدر ما هى فكرة ملحة هى أيضاً فكرة طوبائية وغير واقعية. لا شك أن رابطة الجوار الجغرافى ملحة كل الإلحاح، وتستحق الدعم الرسمى والشعبى العربى إذا كان الهدف البعيد تخفيف التوترات الإقليمية، واحتواء الأزمات المزمنة، والاستفادة القصوى من قدرات وإمكانيات دول الجوار، وتحويل الجوار الجغرافى من مصدر تهديد لأمن واستقرار الوطن العربى إلي رصيد إستراتيجى للدول العربية. الوطن العربى بحاجة لإجراءات وآليات عديدة من أجل بناء الثقة عبر الحوارات الثنائية والجماعية مع دول الجوار. إن الهدف من مثل هذه الحوارات هو خلق أجواء إقليمية جديدة ومستقرة تساهم فى بلورة تفاهمات مشتركة قائمة علي مبدأ حسن الجوار، وعدم التدخل فى الشؤون الداخلية والاحترام المتبادل. المنطق السليم يقول إنه من المهم خلق مؤسسة إقليمية للتعاون الأمنى فى هذه المنطقة المتوترة والتى هى من أكثر المناطق عنفاً وعدم استقرار فى العالم.
لكن مبادرة الجوار العربى كما طرحت مؤخراً جاءت مبتسرة وغامضة ولم تحظَ حتى الآن بالإجماع العربى لعدة أسباب جوهرية لها علاقة بالدول العربية ودول الجوار خاصة تركيا وإيران. فالغاية من طرح مبادرة رابطة الجوار العربى غير واضحة، وآليات الفكرة غامضة، أما توقيتها فهو غير مناسب علي الإطلاق، والظروف العربية كما الإقليمية غير مواتية للقبول بفكرة غير مدروسة وربما جاءت خارج سياقها التاريخى. وعلي الرغم من النيات الطيبة والغايات النبيلة من المستبعد جداً أن تتطور فكرة هذه الرابطة وتتحول إلي واقع مؤسسى فى المستقبل القريب، بل من الأرجح أن يكون مصيرها كمصير الكثير من المشاريع العربية الطموحة المنبثقة من الأمانة العامة للجامعة العربية والتى نادراً ما تري النور.
الضعف العربى هو أكبر نقاط ضعف فكرة الجوار الجغرافى. ففكرة الرابطة لا تعكس قوة الموقف العربى بل تنطلق من واقع الضعف المزمن الذى يعيشه النظام الإقليمى العربى. لذلك فالفكرة غير مقنعة عربيا. الخلافات العربية العربية تجاه دول الجوار الجغرافى هى أكبر عائق أمام السير فى مبادرة رابطة الجوار العربى. فالمؤكد أنه لا يوجد موقف عربى واحد تجاه دول الجوار المهمة وغير المهمة. من الصعب جداً بلورة موقف عربى موحد من قضايا الجوار فى ظل وجود 22 دولة عربية تتمترس خلف 22 أجندة سياسية مختلفة وأحياناً متناقضة ومتصارعة. هناك جوار جغرافى محدد لكن لا يوجد موقف عربى موحد. بل إن السير فى هذه الرابطة دون مراعاة الوقائع والحقائق يمكن أن يفجر المزيد من الانقسامات العربية العربية ويزيد من تعقيد العلاقات مع دول الجوار المتعطشة لاستغلال الخلافات والانقسامات العربية. لقد رفضت دول عربية عديدة الفكرة من حيث المبدأ، وطالبت بعدم إدراجها فى جدول أعمال القمة العربية فى سرت. كما سجلت دول عربية أخري تحفظها تجاه فكرة الرابطة وقللت من أهميتها. ودعت دول عربية أخيرة إلي دراسة الفكرة والتأنى فى السير فى طرحها مجدداً. ومن المحتمل جداً فى ظل إصرار الأمانة العامة السير فى الفكرة أن تساهم الرابطة فى زيادة الخلافات العربية تجاه دول الجوار الجغرافى.
لذلك وبدلاً من بذل المزيد من الجهد والوقت فى بلورة فكرة غير واقعية، من المهم التركيز علي إصلاح البيت العربى من الداخل، ووقف التصدع فى الموقف العربى الذى بلغ مستويات حرجة، وحل الخلافات العربية العربية القديمة والمتجددة، وإعادة الاعتبار إلي العمل العربى المشترك وتفعيل دور مؤسسات الجامعة العربية وفى المقدمة منها مؤسسة القمة التى تعانى من الضعف الشديد. البيت العربى مهزوز من الداخل والنظام العربى لم يتمكن من تفعيل مؤسساته بما فى ذلك مجلس السلم والأمن العربى، وقوة حفظ السلام العربية، وهيئة متابعة تنفيذ القرارات والالتزامات العربية، وحتى مبادرة السلام العربية أصبحت معطلة وفى حكم المنتهى بعد انتخاب حكومة إسرائيلية يمينية واستيطانية لا ترغب فى السير فى عملية السلام والتسوية. جميع هذه المبادرات العربية لم ترَ النور، فما الذى يضمن أن رابطة الجوار العربى سيكون مصيرها ومستقبلها وجدواها أفضل حالاً ؟ الواقع العربى غير مستعد لفكرة هذه الرابطة علي أهميتها والضعف العربى يعنى ضعف فكرة رابطة الجوار الجغرافى.
وإذا كانت الفكرة، بكل غموضها وسوء توقيتها غير متجذرة فى الأرض العربية كيف يمكن تسويقها والترويج لها لدي الجوار العربى؟ لا عجب أن كافة ردود الأفعال من قبل دول الجوار تجاه فكرة رابطة دول الجوار اتسمت بالتحفظ وعدم الاكتراث. وفيما عدا الموقف التركى الناعم، لم تتفاعل بقية دول الجوار مع الفكرة بل تجاهلتها كل التجاهل ولم يصدر عن إيران أى تعليق علي فكرة الرابطة وكأنها غير معنية بها أو أنها استشفت بأسلوبها التآمرى أن الرابطة هى حلف عربى موجه ضدها.
كل ذلك يثير السؤال هل هناك حاجة فعلاً لرابطة الجوار العربى، أم أنها مجرد فقاعة هلامية تخدم أغراضاً دعائية وربما تعكس رغبات شخصية وآنية ؟. ردود الأفعال العربية والإقليمية الأولية والسريعة غير مشجعة وتشير إلي أن فكرة الرابطة برزت بدون مقدمات إلي الواجهة السياسية العربية وسوف تختفى بنفس سرعة بروزها. فالفكرة مناسبة لكنها ولدت فى وقت غير مناسب ومزدحم بالأزمات العربية والخلافات المزمنة مع دول الجوار الجغرافى.