الصفحة الرئيسية
شروط النشر
الاشتركات
من نحن
اتصل بنا
 
 
 
الموسوعة السياسية المعاصرة- الحلقــة 13     رابطة دول الجوار العربي: فكرة سابقة لأوانها    منتدى الجوار العربي .. رؤية استشرافية     فلسطين فـي الأغنيـة العربية     رابطة الجوار العربي .. بين شروط الواقع ومعطيات التاريخ     رابطة الجوار العربي: تعويض ضعف العرب بقوة جيرانهم     جامعة الدول العربية ونظـام الأمـن الجماعـي العربـي     الانسداد التاريخي .... لماذا فشل مشروع التنوير في العالم العربي ؟     
 
     
 
  الانسداد التاريخي .... لماذا فشل مشروع التنوير في العالم العربي ؟  
    محمد محمـود سعيـد  
    باحث مصـري  
   

المسائل المطروحة فى هذا الكتاب تشكل عناوين المأزق العربى، ومحور اهتمام الباحثين والمحللين الإستراتيجيين والقراء والمتابعين.

ولعل الخطورة تتمثل فى كون هذه المسائل أكثر ارتباطاً بوجود العرب ومصيرهم وتقدمهم ومستقبلهم، ويتوقف حلها علي مسار العالمين العربى والإسلامى، وموقفهما من تحديات العصر وإشكاليات الديمقراطية والحداثة والغرب والإسلام والمرأة والعولمة والانفتاح.

يشخص هذا الكتاب أمراض المجتمع العربى، ويضع الأصابع بلا مواربة علي المشكلات التى أعاقت محاولات الاستنهاض، وأدت إلي فشل الإصلاح الدينى فى الإسلام بينما نجح فى المسيحية فى أوروبا.

ويعرفنا الكتاب أيضاً أسباب الانحطاط الحضارى فى العالم العربى، وتحول الإرهاب إلي وباء أصولى يسود المجتمعات الحديثة بأسرها، ويعرض للتنوير فى التراثات الدينية وحاجة الإسلام والعرب إليه، ويتطرق إلي ظاهرة التهجم علي المقدسات وحرية التعبير فى الفكر الأوروبى، وعلي أنماط المثقفين العرب، والفهم الأصلى للدين ومسببات الانسداد التاريخى، وإلي الحضارة الحديثة والرؤية الأصولية للعالم.

فالكتاب مقسم إلي عناوين كثيرة، وأول تلك العناوين « زلزال فكرى سياسى يهز العالم العربى من أعماق أعماقه » ويتساءل الكاتب فيه عن ما يحدث فى العالم العربى ؟ وكيف نفسره أو نترجمه بعبارات صريحة واضحة ؟.

ففى رأى الكاتب أن التحليلات الصحفية السريعة والسطحية لم تعد تكفى لفهم ما يجرى الآن فى العالم العربى عموماً وفى المشرق العربى خصوصاً. إذ يلزمنا إلي تحليل فلسفى يصل إلي أعماق الأمور لا إلي سطحها، ويعطينا الكاتب بعد ذلك أمثلة علي التعمق فى الأمور ومثال علي ذلك التدخل الأمريكى - الإنجليزى فى العراق عكس ما نتوهم فعلي الرغم من ضحاياه البريئة وتجاوزاته إلا أنه ليس سبب اندلاع المشكلة الطائفية، أو المذهبية هناك وفى المنطقة برمتها، فهذه المشكلة لها جذور عميقة فى الذاكرة الجماعية للسنة والشيعة وتعود إلي مئات السنين، كل ما فعله التدخل الأجنبى هو أنه حرر الطاقات المكبوتة والأصوات المخنوقة والفئات المضطهدة علي مدار التاريخ لدي الشيعة والأكراد علي السواء. وهذا شيء غير مسموح به بالنسبة للنظام العربى - السنى المسيطر منذ ألف سنة أو أقل (منذ البويهيين فى منطقة العراق وإيران، والفاطميين فى مصر وشمال إفريقيا)، ورد فعل العرب السنة فى العراق علي هذا التغيير المفاجئ الذى صدمهم وأذهلهم أنه يشبه رد كل الفئات المهيمنة علي مدار التاريخ.

فعلم الاجتماع من أيام كارل ماركس إلي الآن يقول إن أيديولوجيا المجتمع عامة، بل أكثر من ذلك، يصبح بديهية وتحصيل حاصل وتنال شرعية مطلقة لا تنافس ولا تمس، ولا يعود مسموحاً طرح أى تساؤل عنها أو عن مشروعيتها من قبل أى شخص كان وبخاصة من قبل المهيمن عليهم، ولذلك فعندما تحاول الفئات المضطهدة أن تثور علي قانون الهيمنة الراسخ هذا فإنها تجابه فوراً بالرد العنيف والصـارم، ومن هنا نفهم التفجيرات المروعة التى تصيب شيعة العراق وأكراده بالمئات والآلاف.

وهذا ما هو حاصل فى العراق حالياً، فالشيعة والأكراد يريدون أن ينالوا حق المواطنة كاملاً مثلهم فى ذلك مثل العرب السنة، ولكن هؤلاء الأخيرين بسبب هيمنتهم التاريخية علي البلاد يعتبرون هذه المكالبة بمنزلة عدوان عليهم، ويري الكاتب أنه ينبغى أن لا نلومهم كثيراً علي هذا الموقف لأنه يمثل رد فعل كل الفئات المهيمنة فى التاريخ من دون استثناء.

ثم ينتقل الكاتب بحديثه إلي عنوان آخر وهو «الهوة السحيقة بين العالم الإسلامى والغرب والدلالات الفلسفية العميقة لـ11 سبتمبر»، فيقول الكاتب إنه يبدو أن تداعيات 11 سبتمبر لم تكتمل فصولاً بعد، بل ربما كنا لا نزال فى بدايتها، فالصراع أصبح مفتوحاً علي مصراعيه بين عالمين يريدان تصفية حساباتهما التاريخية بعضهما مع بعض، ولم يعد أحد يستطيع إيقاف حركة التاريخ المتسارعة التى دشنتها تفجيرات ذلك اليوم المشئوم، وكل طرف يلقى المسئولية علي الآخر، فالغرب يتهم العالم الإسلامى - والعربى تحديداً - بعدم محاربة التزمت والتعصب، بل علي العكس فإنه يغذيه عن طريق ممارسة تعليم تقليدى عفا عليه الزمن، وهو تعليم مضاد لأبسط أنواع الاستنارة والحداثة العقلية، كما أنه يرسخ فى الذاكرة الجماعية علي نحو لا يمحي بسبب تلقينه للأطفال منذ الصغر.

والعالم الإسلامى يتهم الغرب بالفساد الأخلاقى، والتحلل من كل القيم التقليدية والإيمانية، يضاف إلي ذلك أن الغرب يدعم سياسة الكيان الصهيونى بدلاً من إيقافه عند حده، وكان بإمكان أمريكا لو أرادت أن تجد حلاً للمسألة الفلسطينية المتعصية منذ أكثر من خمسين سنة، فلو أنها وضعت ثقلها كله فى الميزان لاستطاعت أن ترجح كفة التيار العقلانى فى السياسة الإسرائيلية بدلاً من هذا التيار الاستئصالى المجرم، وهو تيار سوف يقود المنطقة إلي كوارث جديدة لا تستطيع أمريكا السيطرة عليها حتى لو نجحت فى حربها ضد العراق، فمعركة السلام فى الشرق الأوسط سوف تكون أصعب من معركة الحرب كما يقول جيرار شاليان، أحد المفكرين الإستراتيجيين الفرنسيين، ولكن هل لا تزال أمريكا وإسرائيل تراهنان علي السلام حقاً ؟ أم أن المسألة أصبحت مسألة كسر عظم، وغالب ومغلوب ؟.

وهناك عنوان أيضاً هو «العالم العربى مريض بأصوليته، فمن يشفيه؟»، حيث يقول الكاتب إن وباء الأصولية والتعصب والإكراه فى الدين يستعمل حالياً فى العالم العربى والإسلامى كله، بل يصل بعدواه إلي الجاليات الإسلامية المقيمة فى الغرب منذ زمن طويل، والشيء الوحيد المستطاع فعله هو شرح حقيقة الدين الإسلامى لا أن نتبنى الفكر السائد اليوم، القصد هنا أن يكون فكراً متفتحاً، متسامحاً، عقلانياً. فالتفسير الجديد للعقيدة الإسلامية سوف يدخل فى صراع مرير مع التفسير العتيق الراسخ الجذور والذى يعتمد عليه الأصوليون لارتكاب أعمالهم الإجرامية، فهو الذى يقدم لهم المشروعية الدينية والحماية الكافية من الناحية النفسية وإلا لما استطاعوا ارتكاب كل هذه المجازر بحق المدنيين أو الأبرياء، إذن فالمسألة فكرية قبل أن تكون سياسية، وإذا لم تحسم فكرياً فلن تحسم سياسياً يوماً، وهذا ما أهمله المثقفون العرب علي مدار السنوات السابقة.

فكلنا نحاول أن نفهم ما يحصل حالياً فى العالم العربى والإسلامى ككل، فمن العراق حيث تحصل التصفيات الطائفية المتبادلة، إلي باكستان حيث المجازر الرهيبة لأهل السنة علي يد متطرفين شيعة حتمـاً، فالملاحظ أن التوتر يتفاقم ويتسع بين الطوائف الإسلامية، إلا أنه من المعتقد أن هذه المسألة لن تحل فعلاً إلا بعد المصارحة التاريخية الكبري، فالمصالحة لن تحصل إلا بعد المصارحة، ولكن من يجرؤ عليها الآن ؟ ومن يجرؤ علي تسمية الأشياء بأسمائها ؟ علي وضع النقاط فوق الحروف ؟ فما دام المتطرفون من كلتا الجهتين هم أسياد الموقف فلا أمل فى الحل أو فى الخلاص. مادام الفهم الطائفى المتعصب للدين الإسلامى هو السائد فى البيت أو الشارع أو المدارس أو الجامعات وحتى بعض الجرائد فلا أمل فى الحل.

وعند النظر إلي الجهة الثانية من الموضوع وهم الأوروبيون فأوروبا كيف نجحت فى معالجة مشكلتها الطائفية التى ما كانت تقل صعوبة عن مشكلتنا نحن، فإذا كانت الأمم المتقدمة قد نجحت فى تجاوز مشكلتها الطائفية والمذهبية فلماذا لا ننجح نحن ؟ وما هى الطريقة التى اتبعوها للخروج من المأزق أو الانسداد التاريخى الكبير ؟.

وننتقل إلي عنوان آخر فى الكتاب هو «من الذى قتل الفكر العقلانى فى العالم العربى؟» وهنا يشير الكاتب إلي أنه بعد الضجة الكبيرة التى أثيرت أخيراً حول الانعدام المزعوم للعقلانية فى الإسلام فيعود بالتاريخ قليلاً إلي الوراء لكى يدرك أن العكس هو الصحيح.

فمن آراء فلاسفة الغرب يكون الرد علي تلك الأقاويل فالمفكر الفرنسى المعروف روجيه جارودى يعتقد أن النهضة الأوروبية لم تبدأ فى إيطاليا فى القرن السادس عشر، بل فى الأندلس أثناء القرن الثالث عشر، ويري أن قرطبة كانت مركز الإشعاع الثقافى للعالم كله بين القرنين التاسع والثالث عشر، أى طوال خمسة قرون، ففى تلك الفترة تشكلت رؤية شاملة عن العالم والإنسان والله وهى رؤية مبنية علي العقل والإيمان، بل حتى العلم التجريبى الذى افتخرت به أوروبا لاحقاً أيما افتخار كان قد نشأ فى الأندلس الزاهرة كما اعترف بذلك أحد علماء المسيحية الأوروبية روجيه بيكون، فى العصور الذهبية من عمر الحضارة العربية الإسلامية كان الدين والفلسفة ـ والإيمان والعقل توأمين لا ينفصلان، ولم يحصل الطلاق بين الطرفين إلا فى عصور الانحطاط التى طالت كثيراً للأسف الشديد، وهذا الطلاق استمر قروناً عديدة، أى حتى اليوم بشكل من الأشكال، وهو الذى أوهم الغربيين بأن الإسلام فى طبيعته دين مضاد للعقل.

والعنوان التالى هو «هل حقاً أن العالم العربى الإسلامى يستعصى علي الديمقراطية والحداثة السياسية ؟ مثال آخر علي الانسداد التاريخى؟» والكاتب هنا يشير إلي أنه بعد انهيار الاتحاد السوفيتى والمنظومة الشيوعية اعتقد فرانسيس فوكوياما أن التاريخ قد انتهي بعد انتصار النموذج الديمقراطى الليبرالى علي النموذج الشيوعى التوتاليتارى فى ختام الحرب الباردة التى كانت فى بعض اللحظات أكثر من ساخنة، وبالفعل فقد سقطت أنظمة الحزب الواحد فى مناطق شتي من العالم بدءًا من أوروبا الوسطي والشرقية وانتهاءً بأمريكا اللاتينية مروراً بآسيا وإفريقيا، ولكن العالم العربى _- الإسلامى وحده هو الذى ظل خارج حركة التاريخ هذه مع استثناءات بسيطة هنا أو هناك، ولكن حتى هذه الاستثناءات تظل غامضة ناقصة أو مشروطة إلي حد كبير بل ومهددة فى كل لحظة. ولذلك راح بعض المفكرين فى الغرب الأوروبى _- الأمريكى يطرحون عدة أسئلة منها : لماذا يسير العالم كله باتجاه الديمقراطية والليبرالية السياسية والتناوب السلمى علي السلطـة ما عدا العالم العربى والإسلامى ؟ فهل هناك خصوصية لهذا الفضاء التاريخى تمنعه من دخول العصر والتصالح مع القيم الأساسية للحداثة ؟ وما هى هذه الخصوصية ؟.

فكان رأى بعضهم أن الإسلام يتناقض مع فكرة الحرية والديمقراطية وطبعاً العلمانية وحقوق الإنسان، حيث يرون أن المفهوم السائد والشائع للإسلام حالياً، وهو فهم أصولى متزمت مضاد لأبسط مبادئ التعددية الفكرية والتسامح الدينى والحقوق الفردية.

إلا أن الكاتب يري أن التجارب الأخيرة فى تركيا والمغرب ومصر أثبتت أن هناك قطاعاً واسعاً من الرأى العام يصوت للتيار الإسلامى «المعتدل» أو الأقل تطرفاً من تيار القاعدة وطالبان وغيرهما، إنه يصوت له تحت اسم حزب العدالة والتنمية فى كل من المغرب وتركيا، أو تحت اسم حزب الإخوان المسلمين فى مصر، أو تحت أسماء مختلفة هنا وهناك، ويقول الكاتب إنه بالرغم من أن كل الحركات المتطرفة فى طول العالم العربى وعرضه خرجت من عباءة الإخوان المسلمين، ولكن يبدو أن بعض تياراتهم أخذت تقبل الحوار بديلاً عن التفجيرات والضرب إما عن اقتناع إجبارى بعد فشل خط العنف المسلح وإما كتكنيك سياسى تحت ضغط الغرب الذى يشن حرباً علي الإرهاب الدينى بعد 11 سبتمبر، ولا يمكننا بعد الآن أن نتجاهل هذه الشريحة الواسعة من المجتمع، وحسناً ما فعلته مصر إذ أدخلتها دائرة الشرعية السياسية تحت قبة البرلمان، فهذا أفضل من أن تظل فى الخارج حيث تتحول إلي قوة تخريبية وعصيان واغتيالات، كما حصل فى السابق أيام الرئيس عبد الناصر، وكما حصل فى سوريا أيضا فى الثمانينات، وفى الجزائر فى التسعينات.

يضاف إلي ذلك أن إدخال الإسلاميين فى اللغة السياسية يجبرهم علي تحمل المسئولية ويضعهم وجهاً لوجه أمام إكراهات الواقع وضروراته، وربما جبرهم ذلك علي تطوير فهمهم للإسلام والخروج ولو قليلاً من فقه القرون الوسطي إلي فقه العصور الحديثة، وهذا ما حصل فى أوروبا عندما انفصل التيار الليبرالى المسيحى عن التيار الأصولى المتزمت ووقعا فى صراع معاً، وأدي ذلك فى نهاية المطاف إلي تقليص القاعد الشعبية للأصوليين المتطرفين الذين لا يتوانون عن اللجوء إلي العنف والإرهاب من أجل فرض تصوراتهم الظلامية، ولكن علي التيار الإسلامى المعتدل أن يعلن صراحة رفضه لهذا الاتجاه التكفيرى الموروث عن العصور الوسطي.

وعلي هذا فمهما يكن من أمر فإن توسيع القاعدة الشعبية للحكم فى الدول العربية الشمولية قد أصبح ضرورة ملحة لا ينكرها إلا كل مكابر، وهذا التوسيع يمكن أن يتم بشكل تدريجى واستيعابى كما حصل فى العراق ومصر وفلسطين أخيراً، فعلي الرغم من نواقص التجربة إلا أنها أفضل من اللاشيء أو من موقف الجمود الحالى الذى لم يعد يحتمل، فالقاعدة الشعبية للحكم أصبحت ضيقة أو متقلصة فى معظم الأحيان إلي حد كبير ومقلق ينذر بالخطر.

ثم يختص الكاتب بالحديث بعد ذلك عن التنوير حيث يقول إن المثقفين العرب والأوروبيين يشتركون الآن فى نقطة واحدة وأساسية : هى الانشغال علي قدم وساق بنقد التراث، الأمر أيضاً لا يتعلق بالتراث بعينه فقط، فالتراث الذى يشغل مفكرى أوروبا وأمريكا، مراجعة وتمحيصاً، هو تراث الحداثة والتنوير والعقلانية، وأما التراث الذى يشغل المفكرين العرب فهو بالطبع التراث الدينى، وشتان ما بين الحالتين، بين تراث الحداثة وتراث التراث، فالواقع أن مفكرى أوروبا قد انتهوا من نقد تراثهم وحلوا مشكلتهم معه منذ حوالى مائتى سنة بالضبط، إن مجرد طرح المسألة علي هذا النحو لهو أكبر دليل علي المسافة الشاسعة أو التفاوت التاريخى المرعب الذى يفصل بين المفكرين العرب والمفكرين الأوروبيين، ولهذا السبب يستحيل إجراء أى حوار بين مفكر عربى ومفكر أوروبى أو غربى فى الظروف الحالية ومن العبث أن نحاول الجمع بينهما، فهما لا يعانيان الهم الفكرى نفسه ولا يستخدمان اللغة نفسها أو المفاهيم والمصطلحات نفسها فليس الذنب ذنب المفكر العربى أو الأوروبى، بل هو ذنب الظروف والوضع التاريخى المختلف جذرياً، فقد يوجد مفكر عربى ذكى جداً ومرن عقلياً أو متحرر كثيراً من وطأة الأيديولوجيا، ولكن مشاكله لا يمكن أن تكون هى نفسها مشاكل المفكر الأوروبى. يضاف إلي ذلك أيضاً أنه لم تتح له الفرصة لكى يعيش تلك التجارب الفكرية الضخمة والمتراكمة والتى كان زميله الأوروبى قد عاشها وهضمها علي مدار القرنين الماضيين.

وبتوضيح أكثر إن وضع المفكر الأوروبى بالقياس إلي المفكر العربى يشبهه الكاتب بوضع المفكر الأوروبى بالقياس إلي سلفه الأوروبى الذى عاش فى القرن السادس عشر أو السابع عشر، أوروبى العصور الوسطى (أى ما قبل التنوير، قبل الحداثة).

وفى النهاية يوضح الكاتب أن مشكلتنا نحن كعرب - وهنا يكمن الفرق الأساسى بيننا وبين الأوربيين - هى أننا نعتقد بأن كبت المشكلة أو خنقها وتأجيلها يعنى حلها أو تجاوزها، فالمنهجية العلمية والخبرة التاريخية تدل علي عكس ذلك، ومع هذا فنحن مصرون علي المنهجية القديمة ومنهجية الكتب والردع، فهل هناك أب يستشير أبناءه فى مشكلة تخص وجودهم ؟ إذا فعل هذا يعنى أنه تنازل عن عرشه وتخلي عن كبريائه وفقد شيئاً من هيبته ورجولته إن لم يكن قداسته.

وهل هناك من حاكم يقبل أن يستشير شعبه فى مشكله مهمة قد يتوقف عليها دماره أو بقاؤه ؟ حتى مسائل الحرب والسلم لا يستشار بها الشعب ! وهكذا يستطيع حاكم واحد أن يغامر بكل شعبه، ثم يهلل له المفكرون «العظام» ويقولون ها قد فتح لنا التاريخ من أوسع أبوابه، هذا هو الطريق وهذا هو الحل !.

فى الخاتمة يقول الكاتب : مأساة هى حالة الفكر العربى المعاصر، فإذا كان المفكرون الكبار قد أظلمت رؤيتهم إلي مثل هذا الحد، فما بالك بالصحفيين العاديين أو حتى عامة البشر.

 

 
     
 
     
مواضيع ذات صلة
 
لا يوجد حاليا اى مواضيع ذات صلة
 
 
 
ابـواب الــعـدد
     
 
   
اكثر المواضيع قراءه
 
 
 
     
 
الصفحة الرئيسية :: شروط النشر :: الاشتركات :: من نحن :: اتصل بنا
جميع الحقوق محفوظة لمجلة شؤون عربية 2009 © تصميم وتطوير شركة ميركو ايجيبت