الصفحة الرئيسية
شروط النشر
الاشتركات
من نحن
اتصل بنا
 
 
 
الموسوعة السياسية المعاصرة- الحلقــة 13     رابطة دول الجوار العربي: فكرة سابقة لأوانها    منتدى الجوار العربي .. رؤية استشرافية     فلسطين فـي الأغنيـة العربية     رابطة الجوار العربي .. بين شروط الواقع ومعطيات التاريخ     رابطة الجوار العربي: تعويض ضعف العرب بقوة جيرانهم     جامعة الدول العربية ونظـام الأمـن الجماعـي العربـي     الانسداد التاريخي .... لماذا فشل مشروع التنوير في العالم العربي ؟     
 
     
 
  رابطة الجوار العربي .. بين شروط الواقع ومعطيات التاريخ  
    صــلاح ســالم  
    كاتب وصحفي بجريدة الأهـرام  
   

أثارت دعوة السيد عمرو موسي الأمين العام للجامعة العربية إلي بناء رابطة للجوار العربى جدلاً كثيراً أظنه طبيعياً نظراً لأهمية الداعى، وكذلك مستحقاً نظراً لأهمية الدعوة إن لم يكن خطورتها. ولعله واجب علي الجميع المشاركة فى ذلك الجدل بغية إثرائه وتعميقه والوصول من خلاله إلي رؤى أكثر رحابة وتصورات أكثر عمقاً إزاء طرح الرجل الذى لا يشك أحد فى مدي إخلاصه لمؤسسته وقضيته التى هى قضية العرب جميعاً.

غير أن المطلوب منا جميعاً أن يكون جدالنا ليس فقط نزيهاً ومجرداً يستهدف خلاص أمتنا وأوطاننا فهذا ما لا ننكره علي أحد أياً كانت انتماءاته، أو مراوحته بين القومية والوطنية، بل المطلوب أيضاً أن يكون جدالنا موضوعياً إلي درجة التفكير بحس المسئولية فما أسهل التفكير المجانى السهل حينما يتخذ الكاتب موقفاً قد يكون مثالياً ونزيهاً ولكنه متعال علي الواقع عصى علي التحقق، وما أصعب التفكير البناء القادر علي استيعاب الواقع بكل تعقيداته. وليست تلك دعوة إلي احتباس الفكر خلف السلطة، ولا إلي تبنى المفكر لأحجية المسئول، فالفكر دوماً يسبق الفعل الذى تقوم به أى وكل سلطة، غير أن ذلك السبق يجب أن يكون بخطوات محسوبة تجعل المفكر مرشداً وهادياً لمسئول يتحرك فى مرمي ناظريه، وليس بالأميال التى تحجب الرؤية وتمنع التواصل بين كليهما. فى هذا السياق لا يتوجب علينا الذهاب سريعاً إلي رفض الدعوة أو قبولها، بل يتعين بحثها فى إطار الظروف الواقعية، والشروط التاريخية، ما يفرض علينا التوقف مبدئياً عند أمور ثلاثة رئيسية:

الأمر الأول: أن العالم العربى هو التمثيل الأبرز (ثقافيا) لما يسمي بالعالم الإسلامى، ومن ثم فإن صورة الإسلام كما نعكسها نحن هى التى تسود فى النهاية. غير أنه وبفعل الضعف السياسى الذى يحيق به الآن، لا يستطيع أن يدعى تجسيده للعالم الإسلامى إستراتيجيا، فيما لا يمكن لأى قوة غير عربية مهما بلغت علي الصعيد السياسى ـ الإستراتيجى من قوة أو حضور أن تزعم لنفسها تجسيد هذا العالم، الذى يبقي العرب، لدواعٍ دينية وتاريخية وثقافية، فى قلبه بل أكبر مصدر لإلهامه. وإزاء العجز الإستراتيجى العربى عن تمثيل العالم الإسلامى، والعجز الثقافى لغير العرب عن ذلك، يبقي هذا العالم الكبير من دون مركز قيادة استراتيجية، وإن توفر له مركز إلهام روحى. ولعل المفكر الأمريـكى الراحـل صامويل هانتنجتون فى كتابـه الأشـهر «صدام الحضارات» كان قد تنبه إلي تلك الحقيقة مشيراً إلي غياب دولة مركز تقود عالم الإسلام علي منوال «الصين فى الحضارة الكونفوشيوسية، والهند فى الحضارة الهندوسية، وروسيا فى الحضارة المسيحية الشرقية، والولايات المتحدة فى الحضارة الغربية» حيث تتنافس دول ست أساسية، فى رأيه، علي هذه القيادة وهى «إندونيسيا ومصر وإيران وباكستان والسعودية وتركيا» من دون أن تتمكن إحداها علي تحقيق إجماع حول قيادتها لوجود قصورات متباينة لدي كل منها:

فإندونيسيا رغم حجمها السكانى الكبير، ونموها الاقتصادى المشهود، تبقي دولة طرفية بحكم موقعها الجغرافى البعيد عن قلب العالم الإسلامى، فضلاً عن أن سكانها خليط منوع من جنوب شرق أسيا، وثقافتها بمثابة تشكيل من أصول ومؤثرات عدة إسلامية وهندوسية وصينية ومسيحية.

وباكستان هى الأخرى تحوز الحجم الجغرافى المناسب، والتعداد السكانى الكبير فضلاً عن القدرة العسكرية الكبيرة وعلي رأسها السلاح النووى، غير أنها طرفية نسبياً قياساً إلي القلب العربى للإسلام، وفقيرة إلي حد كبير، ناهيك عن كونها منقسمة إثنياً وتعانى من عدم الاستقرار السياسى.

وإيران كذلك تحوز كتلة حيوية متميزة علي صعيد الحجم الجغرافى والتعداد السكانى، فضلاً عن موقعها المركزى فى الشرق الأوسط، وثرائها النفطى الكبير، غير أنها شيعية بينما %90 من المسلمين ينتمون إلي المذهب السنى كما أن لغتها محلية لا تحوز شعبية اللغة العربية فى عالم الإسلام.

وتركيا يتوفر لها الحجم والموقع الجغرافى المناسبين، والبنية السكانية الجيدة، فضلاً عن مستوي النمو الاقتصادى المتوسط، والتماسك الوطنى والتقاليد العسكرية العريقة، ولكن موطن قصورها يكمن فى استمرار تعريفها لنفسها كدولة علمانية، وتوجهها الغربى الواضح برغم بروز صحوة إسلامية معتدلة.

وأما السعودية فهى مهبط الإسلام، وكعبة المسلمين ما يمنحها نفوذاً روحياً هائلاً، ولديها أعلي احتياطيات للنفط فى العالم ما يمنحها نفوذاً مالياً كبيراً، غير أنها تعانى من عجز ديمغرافى الذى يجعلها معتمدة أمنياً علي الغرب، كما أن مذهبها الدينى المتشدد، وتقاليدها الاجتماعية المحافظة لا يجعلانها النموذج الأكثر جاذبية لعالم الإسلام المتنوع.

وأخيراً مصر التى تملك الموقع الجغرافى المركزى فى الشرق الأوسط، والكتلة الحيوية المتميزة علي أصعدة الأرض والسكان،  والقدرة العسكرية المناسبة، فضلاً عن حيازتها للأزهر وهو المؤسسة القائدة فى التعليم الدينى، ولكنها فقيرة تعتمد اقتصاديا علي الولايات المتحدة والمؤسسات الدولية التى يسيطر عليها الغرب.

وبفحص تلك القصورات لدي الدول الست نجد أنها بنيوية مانعة لدي دول أربع وهى إندونيسيا، وباكستان، والسعودية، وإيران، فيما تبقي ظرفية طارئة لدي دولتين تعانيان من قيود قابلة للحلحلة وهما مصر لو نهضت اقتصاديا، وتركيا لو أرادت سياسياً.

والأمر الثانى: أن ملمحاً إستراتيجيا جديداً (سلبياً) قد برز واضحاً فى الجغرافيا العربية منذ احتلال العراق، وهو التدهور النسبى فى مكانة القوي المركزية فى النظام العربى وخاصة أطراف المحور الثلاثى الذى كان قد هيمن علي اتجاهات القرار العربى منذ ساند الشرعية الدولية فى حرب تحرير الكويت، وذلك بتأثير الحضور الأمريكى المغاير فى ظل اليمين المحافظ، والذى استحال ضاغطاً علي المنطقة، غير قانع بأنماط التأثير السابقة فيها عبر التفاهمات مع دولها الكبري المعتدلة. وقد عبر هذا التطور عن نفسه فى ظواهر ثلاث أساسية عاني منها الواقع العربى فى السنوات الست المنصرمة:

أولاها بروز مفتعل لدول صغري صارت تلعب أدواراً استثنائية تفوق طاقاتها الطبيعية ضد التوجه الإستراتيجى العربى العام، وذلك بقفز إحداها مثلاً علي التوازنات العربية فى أكثر من مناسبة وفى غير اتجاه، علي منوال إقامة علاقات اقتصادية مع إسرائيل دون ضرورة سياسية، أو مد الجسور نحو إيران علي حساب علاقاتها بمصر والسعودية. وأيضاً الدور المربك الذى تلعبه دولة أخري يحرص قائدها علي إشاعة الضوضاء فى التجمعات العربية بحضوره الزاعق وقدرته علي إثارة قضايا جانبية، وإشعال حرائق مفاجئة تستقطب جهداً كبيراً لإطفائها من الجهد العربى المحدود أصلاً، ناهيك عن الإرهاق الذى كان أوقعه علي كاهل النظام العربى لنحو العقد أو أكثر، دفاعاً عن سياساته الملتبسة التى قادت إلي حصار بلده، وانتهت به إلي الانقلاب الزاعق علي جل سياساته 180 درجة.

وثانيتها بروز حركات المقاومة المسلحة علي منوال حزب الله وحماس، واحتلالهما المكان الأبرز فى ساحة التفاعلات العربية وفى حفز الأحداث وصناعة المواقف، وإثارة الاهتمام لدي الشارع السياسى. هذا البروز يبقي أمراً إشكالياً لأنه من ناحية يمثل إضافة إلي القوي الحية فى عالمنا العربى وخصوصاً فى القضايا المثارة مع إسرائيل، وربما يملأ فراغاً فعلياً قائماً، لولاه ما كان بروز أو تمدد تك الحركات. ولأنه، من ناحية أخري، يبقي مربكاً إذ يضع قرارات خطيرة كالحرب والسلام، تولد أعباء علي الأمة كلها، ناهيك عن الدول نفسها، فى يد حركات نشهد لها بوطنيتها وقوميتها ونبل غاياتها ولكن تبقي حساباتها ضيقة ومحدودة، وخصوصاً فى مواجهة عدو شرس وهمجى ليست لديه حدود أو قيود علي استخدام آلته العسكرية الضخمة كما تبدي الأمر فى العدوان الإسرائيلي علي لبنان 2006م. وفى محرقة غزة 2008م، ما يجعل محصلة بروز تلك الحركات سلبية وأحياناً كارثية.

وثالثتها الحضور الطاغى، وليس البارز فقط، للقوي الإقليمية الكبري حول عالمنا العربى، ليس فقط فى قضايا الإقليم منظوراً إليها من زاوية السياسة الدولية، بل فى قضايانا العربية التي تنبع وتصب فى أراضينا ذاتها. هذا الحضور قد يأتى بمباركتنا إذ يعمل علي تسهيل حل نزاعاتنا العالقة أو منع تفجير نزاعات جديدة مثل الحضور التركى فى العدوان علي غزة، وفى محاولة الوساطة بين حماس وإسرائيل بمباركة مصر أو عدم ممانعتها علي الأقل، وكذلك فى الوساطة التركية بين إسرائيل وسوريا بمباركة الأخيرة. وخلف مصر وسوريا كان ثمة تأييد عربى واسع. ولكنه قد يأتى رغماً عنا كالحضور الإيرانى لدي حماس والذى كرس خلافها مع فتح وعمق القطيعة بين الضفة وغزة، ولدي حزب الله حيث زاد من تصلب قراره فى مواجهة الإجماع اللبنانى، ومنحه قوة فائقة فى التركيب السياسى ربما كان عامل فوضي وهيمنة تتوق إليها إيران لولا بقية من حكمة أبقت الأمور فى الحيز المقبول حتى الآن. ناهيك عن الدور الإيرانى فى العراق والسودان وغير مكان إلي الدرجة التي جعلت كثيرين داخل المنطقة وخارجها يتحدثون عن تصورين متصارعين حولها أحدهما أمريكى والآخر إيرانى من دون اكتراث بالوجود السياسى العربى الذى نظر إليه كمجال حيوى.

فى هذا السياق يمكن فهم المنطق الكامن خلف طرح الأمين العام وهو محاولة تدعيم (تطعيم) النظام العربى بقوي حيوية وفعالة تستطيع أن تتحمل عنه أو معه أعباء اللحظة الراهنة بسرعة وفعالية. جوهر هذه الفكرة منطق بسيط يقول: إذا ما كان تدهور القوي المركزية فى العالم العربى قد أوجد نوعاً من الفراغ الإستراتيجى، وفى ظل صعوبة الحديث عن إحياء النظام الإقليمى العربى الآن فى ظل وطأة التحديات وتلاحقها، فمن الممكن بناء نظام إستراتيجى يقوم علي تحالفات القوي الكبري فى المنطقة، تلك القادرة والراغبة فى شغل الفراغ الحادث بها والذى يجعلها رخوة بأكثر مما ينبغى ومما يحتمل حتى ولو كان بعضها غير عربى. وبدلاً من انتظار قيام نظام إقليمى جديد «شرق أوسطى» بقوة الأمر الواقع حقيقته الأولي والكبيرة هى إسرائيل وهدفه إزالة النظام العربى، فلماذا لا يكون هناك نظام إستراتيجى إقليمى بعمق عربى ـ إسلامى هدفه دعم النظام الإقليمى العربى «القانونى والسياسى والمؤسسى» فى مواجهة تحدياته العاصفة وليس الإحلال محله. وهنا يصبح  الجمع بين تركيا وإيران وبين العالم العربى فى سياق تلك الرابطة الجغرافية تطوراً إيجابياً يصوغ كتلة استراتيجية قادرة علي ملء الفراغ، وصياغة حس اتجاه لما يمكن تسميته بـ (الإسلام الحضارى) سداً للقصور الذى ألمح إليه هانتنجتون من ناحية، ويمتص عوامل التوتر الإقليمى الناجمة عن صعود دور هذين البلدين علي حواف الإقليم العربى من ناحية أخري. غير أن ثمة تحفظين رئيسيين علي هذه الدعوة:

التحفظ الأول يتعلق بالاتساع المفرط لمداها الجغرافى إذ تضم دول جنوب أوروبا المجاورة للشمال العربى من ناحية، ودول إفريقيا المحيطة بهذه الدول من الجنوب الشرقى حتى الغرب حيث إريتريا ومالى وغينيا والنيجر والسنغال، ناهيك عن تركيا وإيران الواقعتين فى قلب الشرق الأوسط، أو الأدنى ، هذا الاتساع يجعل من هذه الرابطة، حال تحققها واقعياً، رابطة شديدة الاتساع ولكن قليلة العمق، ومن ثم قليلة الفعالية ، والملاحظ أن هذا الجوار يتوزع علي ثلاثة مستويات:

أولهما يتعلق بدول أوروبا شمال المتوسط، والتى تجمعها مع العالم العربى منتديات عدة كبرشلونة وغيره تمثل إطاراً للحوار العربى ـ الأوروبى، وخصوصاً بين الشمال العربى والجنوب الأوروبى، ولكنها جميعاً غير مفعلة لأسباب شتي تتوزع أسبابها بين الجانبين العربى والأوروبى، وإن كان الموقف من إسرائيل وجمود عملية التسوية السلمية هو المعوق الأكبر الذى يشل قدرتها جميعاً علي الانطلاق. وعلي هذا المستوي ربما لسنا بحاجة إلي رابطة جوار بقدر الحاجة إلي تفعيل ما هو قائم منها.

وثانيهما يتعلق بالدول الإفريقية المذكورة والتى تمثل بالفعل مناطق تماس جغرافى للعالم العربى، وتجمعنا بها مصالح مشتركة، ولكنها ليست تلك المصالح التى تخول الاندراج معها فى منظمة إقليمية، فالعالم العربى له مصالح مع كل دول العالم، شرقاً وغرباً، ومصالحه مع الصين مثلاً أو الهند تفوق كثيراً هذه الدول. فضلاً عن أن هناك بدائل كثيرة لرعاية وتنمية هذه المصالح معها ولكن من دون حاجة إلي صياغة روابط هيكلية جديدة ودائمة، إذ لا تقوم مثل هذه الروابط إلا علي أسس أكثر عمقاً ورسوخاً تتجاوز المصالح المتغيرة، علي أهميتها، إلي آفاق الهوية الدينية والقومية والحضارية، بل والإستراتيجية، والأخيرة ربما تخرج علي التعريف الضيق للهوية (كرابط ثقافى)، وتدفع به إلي أفق أوسع باعتباره رابطاً (جغرافيا ـ سياسيا) يتميز عن روابط الجيرة الجغرافية العادية بكونه لا يقوم  فقط علي معطياتها  التقليدية من قبيل قضايا الحدود ووضوح ترسيمها، وإمكانية تحقيق التبادل الاقتصادى من خلالها، بل علي رؤية مشتركة للعالم السياسى تتداخل فيها معطيات ثقافية وسياسية وإستراتيجية متراكبة ومعقدة لا يمكن الفصل بينها لأنها تكون من الكثافة والتشابك علي النحو الذى يمنحها خصوصية كبري لا تتوافر لأى من تلك البلدان الإفريقية، أو المتوسطية التى تحدث عنها السيد عمرو موسي، اللهم سوي تشاد التى تحتل اللغة العربية فيها موقعاً متقدماً، وتتداخل بروابط لوجستية مع بلدين عربيين كليبيا والسودان ما يمنحها أولوية خاصة علي هذا الصعيد.

وثالثهما يضم تركيا وإيران، وهما بالفعل الدولتان اللتان تربطنا بهما رؤية للعالم تنبع من تشابك حضارى، وتداخل، وليس فقط تماس جغرافى، تجعل من كلا البلدين جزءًا من النظام الأمنى والإستراتيجى للشرق الأوسط مع العالم العربى، ناهيك عن ملابسات تاريخية تجعل منهما جزءًا لا يتجزأ من الكتلة الحيوية التى صاغت الجغرافية السياسية للإسلام عبر التاريخ الطويل، بل وشاركت فى صنع وجهه الحضارى إذ شاركت فى انتصاراته وفتوحاته لقرون وليس عقود، كما تحملت عبء انكساراته وهزائمه، ولا تزال تصوغ صورته الرمزية (النمطية) التى يدور حولها تفاعلنا وجدلنا الثقافى مع الغرب حتى الآن:

فتركيا هى وريثة الدولة العثمانية التى تمكنت عبر التقاليد العسكرية العريقة للعنصر التركى، من فتح القسطنطينية عام 1453 ووراثة الدولة العربية وتدشين الموجة الثانية لهيمنة الإسلام التى امتدت لنحو القرنين وربع القرن حتى حصار فيينا عام 1682م، وإن بروح عسكرية أكبر، وعطاء معرفى أقل جعلها تتآكل تدريجياً حتى كان سقوطها المحتوم مع الحرب العالمية الأولي، وانقلابها علي الموروث العثمانى الإسلامى بعد رحلة طويلة من الركود حملت فيها لقب «رجل أوروبا المريض». غير أن تركيا الجديدة (القومية) أخذت تستعيد مقومات هذا الذكاء بلعب دور نشط ومعتدل بل وربما كان إيجابياً فى المنطقة حتى صارت محوراً لأهم تفاعلاتها، خصوصاً منذ رفضت استخدام الولايات المتحدة أراضيها فى العدوان علي العراق، فميزت نفسها عن الميول التوسعية لأمريكا المحافظة، واكتسبت ثقة المحيط العربى وخصوصاً سوريا التي وجدت فيها وسيطاً نزيهاً وإيجابياً بينها وبين إسرائيل، من أجل تحقيق تسوية سلمية تكرس الاستقرار الإقليمى، وتقليص احتمالات المواجهة المسلحة، والعنف المتبادل. ويبدو حجم التحول هنا ضخماً إذا ما تذكرنا أن سوريا وتركيا كانتا قبل أقل من عشر سنوات وفى ظل رئاسة حافظ الأسد علي شفا حرب طاحنة بدافع من رعاية سوريا عبد الله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستانى لولا مبادرة الرئيس المصرى بوساطة مكوكية بين البلدين نزعت فتيل الحرب قبل اندلاعها.

ويمكن أن نعطف علي ذلك بالوساطة التركية بين إسرائيل وحماس لتحقيق تهدئة ومد فترة الهدنة قبل الحرب الإسرائيلية الأخيرة علي غزة. وعندما اختارت إسرائيل التصعيد العسكرى، بدلاً من الرد الإيجابى علي العرض التركى، حاولت تركيا، بالتنسيق مع مصر، التقدم بمبادرة لوقف إطلاق النار وقام رئيس الوزراء السيد رجب طيب أردوغان بزيارة إسرائيل ومصر، وعندما أدرك الرجل تعقيدات الموقف وتعنت إسرائيل قام بإدانتها مباشرة، وتحميلها مسئولية العنف المسلح وما يترتب عليه فى لهجة ربما كانت أوضح مما كان لدي البلدان العربية نفسها. وعندما وصفت إسرائيل تصريحات أردوغان بـ «العاطفية» فإن اللهجة التركية ازدادت حدة، إذ أعلن الرجل بشجاعة تحسب له أن موقفه من العدوان الإسرائيلى علي غزة موقف سياسى لا موقف عاطفى، وأنه ينبع من موقف جل الشعب التركى الذى يمثله، والذى يعد بمثابة الأحفاد للعثمانيين الذين حكموا العالم الإسلامى، وكانوا أكثر الإمبراطوريات تسامحاً مع اليهود باسم الدين الإسلامى.

هذا التحول العميق فى الخطاب التركى من قضايا المنطقة لا يمكن إدراك حجمه الحقيقى إلا بالقياس إلي المواقف السابقة للعلمانية التركية والتى ارتكزت علي التحالف الإستراتيجى مع إسرائيل والتأييد الأعمى لعدوانيتها إزاء العرب. كما لا يمكن تفسيره إلا بنجاحها فى إعادة اكتشاف ذاتها ثقافيا، فالصياغة التوازنية لهويتها بين الإسلام والحداثة هى الأساس العميق لحضورها الإستراتيجى فى بنية المشرق العربى الإسلامى لا باعتباره حليفاً للعرب بالضرورة فى مواجهتهم مع الآخرين إقليميا أو دولياً، وإنما كقوة استقرار تعمل علي حلحلة هذه القضايا. ولا نعنى هنا أن تركيا تملك حلاً سحرياً لأزمات المنطقة، ولكن الأمر المؤكد هو أن تركيا اليوم تسير علي الطريق الصحيح ثقافيا وإستراتيجيا، فهى النموذج الإسلامى الأكثر جاذبية وقدرة علي الحياة والتطور من داخل حركة الزمن وليس فى ضديته. وأن حضورها الإستراتيجى يحظي بمشروعية كبيرة لدي العرب الأوروبيين والولايات المتحدة بدرجة معقولة، ترشحها للنجاح، وإن تطلب الأمر تفهماً أكبر من القيادة الأمريكية وخصوصاً عندما  تحين لحظة الاختيار مع بروز العدوانية الإسرائيلية مجدداً، ودعماً أوسع من العالم العربى الذى يتوجب عليه أن يخلق الظروف الملائمة التي تفرض علي الآخرين ضرورة الاختيار فيدفعون أثمان معاداته، ويجنون ثمار مؤازرته، وهى ملكة سياسية لابد وأن يتعلمها العرب، لأنها الطريق إلي تكريس الاعتدال التركى، وترسيخ الحياد الأمريكى، ولجم العدوانية الإسرائيلية. ولاشك فى أن بناء رابطة استراتيجية مع تركيا هو عمل فيه الكثير من مقومات هذه الملكة السياسية.

وأما إيران فهى، بكتلتها الحيوية الكبيرة وتقاليدها الحضارية العريقة تمثل حضوراً إستراتيجيا مائزاً. ورغم أن عرباً كثيرين ينظرون إلي إيران باعتبارها خطراً يتهددنا، ورغم أن القيادة الإيرانية الراهنة قد كرست هذا الانطباع باندفاعها ورعونتها، بدلاً من بذل الجهد الكافى لتبديده، فإننا لا نري الدور الإيرانى سلبياً صرفاً، بل يحوى قدراً كبيراً من الإيجابية فيما لو تم استيعابه، إذ يتيح نوعاً من مرونة الحركة إزاء الولايات المتحدة. كما أنه عامل مقلق لإسرائيل لأنه يرهق حساباتها. غير أن الأمر الحاسم فى تعيين الوجهة النهائية لهذا الدور يبقي رهناً بشروط معينة يأتى فى مقدمتها ضرورة دعم إيران للخيارات الإقليمية التى يتوافق العرب حولها ويرونها صالحة لهم وليس ما تتصوره هى واجباً عليهم، وأن تتحدث معهم بلغة واضحة مستقيمة، وأن تقدم ما يثبت للعرب من غير حلفائها «سوريا وحزب الله وحماس» أنها لا تأخذ هؤلاء الحلفاء كرهينة لديها أو تسعي لتوظيفهم ضد المصالح العربية، وأن تقدم لمحيطها الخليجى بالذات من الضمانات ما يكفى لطمأنته، ولدولة الإمارات العربية تحديداً من التعهدات ما يضمن لها إخضاع قضية الجزر الثلاث للتحكيم الدولى، ناهيك عن احترام الرؤية العربية لمستقبل العراق الموحد وللدور السنى فيه. غير أنه ربما كان من الخطأ أن نتقدم سريعاً وبشكل استعلائى بقائمة مطالب وشروط لإيران، بل المفترض أولاً أن ندعوها للحوار، بغرض الوصول إلي نوع من التوافق معها قد يمنحها بعض المزايا التى تستحقها كدولة كبيرة لها مصالح لابد من احترامها طالما كانت مشروعة ولا تنقص من سيادة جيرانها. ولكنه فى المقابل يشكل قيداً يفرض عليها ضرورة احترام مصالح باقى الأطراف ويحتم عليها الحوار معهم، ما سوف يلجم سلوكياتها الراديكالية التى تتغذي علي شعورها بالعزلة الإقليمية من ناحية، ويوفر إطاراً للمراجعة من ناحية أخري.

وفى هذا السياق يمكن، مثلاً، اقتراح عقد صفقة تبادلية، بين الدور الإيرانى الذى يبقي حاسماً فى تقرير مستقبل العراق، وبين الدور العربى المؤثر فى الملف النووى الإيرانى، فسلبياً يمكن للعرب تسهيل الخيار العسكرى الأمريكى بتقديم دعم لوجستيكى فضلاً عن إسباغ الشرعية الإقليمية، وإيجابياً يمكنهم خلخلة الحصار حول إيران بإعلان تأييدهم لحقها الأصيل فى امتلاك التكنولوجيا النووية طالما أن إسرائيل تملك السلاح النووى، وأنهم يدعمون تخليها عن هذه التكنولوجيا فقط فى حال تخلى إسرائيل عن سلاحها لإخلاء المنطقة من أسلحة الدمار الشامل. هذه الصفقة تنبع معقوليتها من عدة  اعتبارات أهمها:

أولاً: أن القدرة النووية الإيرانية، حتى فى حالة امتلاكها للسلاح النووى لا تمثل أدني خطورة علي العالم العربى وبالذات مناطق الاحتكاك مع إيران فى الخليج  والتى تزخر أساساً بالأقليات الشيعية التى لا يمكن استخدام مثل هذا السلاح فى إبادتها. كما أن إيران برغم خطابها السياسى المتشدد تبدو عقلانية بما يكفى لكبح جماح نفسها عن الاستخدام العدمى لهذا السلاح إذ تبرر شرعيته الداخلية بالدفاع عن الأمة الإسلامية، كما تدرك أن استخدامه فى غير أغراض الردع يكفى مبرراً لأن تقوم الولايات المتحدة بإبادتها نووياً.

ثانياً: أن التوافق العربى ـ الإيرانى يضع قيوداً علي احتمال عقد صفقة إيرانية ـ أمريكية لن تتواني عنها الولايات المتحدة إذا ما تهيأت ظروفها، ضد المصالح العربية سواء لأن التنسيق العربى مع إيران سوف يقوى من موقفها التفاوضى ويقلل من حاجتها إلي تقديم تنازلات أو دفع أثمان غالية للولايات المتحدة. أو لأنه سوف يدفع الأخيرة إلي إعادة تثمين المواقف العربية المعتدلة التى صارت مهملة باعتبارها من البديهيات، ويضغط عليها نحو عدم الاجتراء علي المصالح العربية الأساسية.

ثالثاً: أن المنطقة لا يمكن أن تبقي بكاملها حكراً علي السلاح النووى الإسرائيلى، ورهينة له، فإذا كان ذلك يمثل مصلحة إسرائيلية / أمريكية فهو بالقطع لا يمثل مصلحة عربية / إيرانية، ولا شك فى أن الخروج من مأزق الانفراد الإسرائيلى النووى يبقي أمراً مطلوباً، ولكنه غير متصور إلا عبر طريقين؛

·    إما تحييده من خلال امتلاك طرف عربى له، وفى ظل تعذر وجود مالك عربى ربما يكون الخيار الإيرانى / الإقليمى هـو البديل الممكن الآن. ليس لأن القنبلة الإيرانيـة هى بمثابـة «القنبلة الإسلامية»، بل لأن المنطق الإستراتيجى البسيط يقول: إن انتشار أى سلاح مهما تكن خواصه وعدم تركزه فى قبضة واحدة يقلل من أهمية حيازته أصلاً، فضلاً عن نمو آلية الردع بين المالكين له.  

·    أو المطالبة بنزعه لإقامة منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل، وهو خيار مثالى لا يمكن لإسرائيل القبول به إلا فى ضوء امتلاك طرف مناوئ له بحيث يكون النزع متبادلاً. وفى ظل غياب القدرة النووية العربية، تمثل إيران هذا الطرف الإقليمى باقتدار. ومرة أخري ليس لأنها تحوز القنبلة الإسلامية، ولكن لأنها تثير مخاطر الانتشار المتزايد وهو سيناريو بالغ الخطورة لابد وأن يحرك الولايات المتحدة نحو فرض حظر شامل علي المنطقة وقد يحفز إسرائيل إلي قبوله لإدراكها خطورة الفوضى علي وجودها. وهكذا فإن الدور الإيرانى ليس شراً مطلقاً إلا فى إدراك القوي التى لا ترغب سوي فى الحفاظ علي نمط تحالفاتها الأبدية مع الولايات المتحدة، وعلي الإذعان الكامل للمنطق الإسرائيلى باعتباره خياراً وحيداً ونهائياً يجمل وصف السلام.

ولا شك هنا فى أن وجود رابطة إقليمية يمثل إطاراً مهماً للحوار مع إيران، والذى يجب أن يسبق، وأن يلى تشكيلها، فمن دون هذا الإطار سوف تبقي إيران بمثابة « فاعل شبح » يؤثر واقعياً ولكن من دون قدرة علي ضبطه أو مراقبته، ما يمنحها حرية مطلقة فى ممارسة الفرضي الإقليمية.

وأما التحفظ الأساسى الثانى فيتعلق بشكل هذه الرابطة، فإنشاء رابطة للبلدين مع جامعة الدول العربية سوف يجعل من تلك الرابطة أشبه بمنظمة إقليمية أوسع، ربما حملت معها أمراض النظام العربى الرسمى. وربما كان الاقتراح العملى هنا هو صياغة (تحالف إستراتيجى) يجمع بين تركيا وإيران وبين المحور الثلاثى العربى المصرى السورى السعودى، ينهض بدوره علي صيغ من تحالفات سياسية ومعاهدات أمنية تؤسس لنظام إستراتيجى راسخ ومعلن ليس علي حساب الجامعة العربية وإنما يقوم بالوكالة عنها ببعض وظائفها ولكن من دون انتظار للإجماع التقليدى الشكلى لأعضائها الاثنين والعشرين والذين يشكلون نظامها القانونى ـ السياسى الذى يعج بأمزجة مختلفة وأهواء متنافرة. فيما يمنح النظام الرسمى العربى من خلال التمثيل المصرى السعودى الشرعية القومية لهذا «التحالف الإستراتيجى» بحيث يعمل هذا الأخير وكأنه الآلية العملية «الاستراتيجية» للنظام الإقليمى «الشرعى» الواسع ولكن المهلهل فى مرحلة انتقالية يقود النجاح فيها إلي إحياء النظام العربى نفسه وبث الحيوية فيه. وأما عن الصيغ العملية الممكنة لهذه الكتلة فهى عديدة، قد تكون من خلال توسيع وتفعيل أطر قائمة شكلياً أهمها إعلان دمشق بعد ضم إيران وتركيا وتحويله من صيغة (2+6) إلي (4+6)، أو علي الأقل تفعيل أطر تضم إيران وتركيا فعلياً من قبيل مجموعة «دول جوار العراق ومصر» أو غيرها.

غير أن نجاح مثل هذا التحالف الإستراتيجى إنما يتطلب شروطاً ثلاثة رئيسية لابد من توافرها كضمانة تحول دون ميوعة الحركة العربية، وانزلاقها فى مسارات أوسع تقود فقط إلي شرعنة الأدوار الإقليمية الصاعدة علي حسابهم من دون فائدة عملية :

الشرط الأول: هو استفاقة أطراف المحور الثلاثى العربى، واستعادتها الإصرار علي ملء الفراغ الكبير متزايد الاتساع الذى أوجده خمولهم السياسى، قبل الدخول فى أى تحالفات إقليمية، ذلك أن تلك الأدوار الإقليمية الضاغطة ما كان لها أن تنمو إلا علي حسابهم، وبفعل انقسامهم. وعليهم أن يدركوا، من ثم، أن استمرار هذا الانقسام سوف يغرى بنمو أدوار أخري مشابهة ناهيك عن زيادة حدة ما هو قائم منها. وفى هذا السياق يتوجب علي سوريا، قائد معسكر الممانعة إدراك أن تحالفاتها المنفردة الراهنة مع أى قوة غير عربية علي حساب قوي عربية إنما هو تحالف قصير العمر بأكثر مما يعتقد. وأن لا تجعل من نفسها مخلب قط إيرانى فى الساحة العربية وخاصة فى لبنان، بل جسراً بين الطرفين تحقيقاً للتوافق العقلانى المنشود، وحماية للمنطقة من الفوضى. ومن ثم فلا سبيل أمام سوريا إلا العودة للالتحام بالبلدين اللذين صنعا معها حس الاتجاه العربى طيلة العقدين الأخيرين، لأنهم رفاق الأمس واليوم والغد، وعدم التعويل فقط علي تجربة «المقاومة الوطنية الباسلة والمشروعة» التى استطاعت فعلاً جرح كبرياء إسرائيل وكشف قصوراتها وتعطيل مشروعها، ولكنها بالقطع لا تكفى للتحرك إلي الأمام، فإذا كان من العبث التقليل من التجربة الفذة لحزب الله، فمن الخطر التعويل عليها وحدها فى صنع المستقبل، الذى لا تملكه سوي القدرات الكبيرة، والإرادات النافذة حتى لا تبقي الجغرافيا العربية رهينة فراغ، والمصير العربى أسير فرقاء.

والشرط الثانى هو بلورة منهج توافقى لإدارة الصراعات العربية مع العالم، وخصوصاً إسرائيل، وبالذات فيما يتعلق بعملية التسوية بدلاً من التوقف أمام معادلة سياسية ساكنة قوامها طرفان: أولهما، وهو إسرائيل، لا يبدى أى رغبة موضوعية فى السلام. والثانى نظام عربى عاجز عن فرض خياره الوحيد والأبدى فى هذا السلام، وفى الوقت نفسه عاجز عن ممارسة الخيار النقيض «العسكرى». والمقترح هنا خيار ثالث أكثر إمكانية وتاريخية وهو إطلاق ديناميكية سياسية عربية جديدة وغير مألوفة، ليس بمعني شذوذ الأفق، وإنما بتنويع الأدوات، وتجريب مداخل وفضاءات جديدة للحركة السياسية نحو الخيار السلمى نفسه لا يتوقعها الخصم الذى صار، لفرط وثوقه وتهافتنا نحن، يتوقع منا كل رد لفعله أياً كان، ويوقن بحيرتنا وعجزنا إزاء همجيته مهما بلغت، وهو ما يدفعه إلي اعتبارنا ساحة تجريب لانفعالاته الطائشة من دون توقع لأى ثمن يتوجب عليه أن يدفعه. وهو أمر يتوازي مع، بل ويغرى توجهاً مشابهاً للقرار الأمريكى الذى لا يجد نفسه أبداً فى حال اختيار بين العرب وإسرائيل، ربما لأن ميولاً ثقافية صهيونية مسيحية تحكم مشاعره، وربما لأن اللوبى اليهودى يتحكم فى بعض موارده، ولكن المؤكد كذلك أنه لم يجد نفسه ولو لمرة واحدة مطالباً بدفع ثمن انحيازه، ومن ثم فلا دافع موضوعى لديه إلي تغيير اتجاهاته، وتلك الحالة هى التي يجب التمرد عليها حتى فى وجود الرئيس أوباما الذى لا شك لدى فى رغبته أن تصبح بلاده وسيطاً نزيهاًً، ولكن عوامل داخلية نقيض سوف تضغط عليه، ولن يكون قادراً علي مواجهتها بشجاعة فى مواجهة وعى أمريكى براجماتى إلا بإبراز ثمن هذا الانحياز المطلق فى وجه معارضيه، ومن ثم فاستقلال مواقفنا وقدرتنا علي تفجير رغبة الاختيار لدي إدارته هو أمر يحفز مسلكه الجديد جوهرياً.

هذا التمرد السياسى هو ما تحاول سوريا أن تقوم به من خلال تحالفها المنفرد مع إيران، ورعايتها لانفعالات حزب الله وحماس ولكن علي نحو مشوه يورط الأمة فى أثمان كبيرة، وهو أمر يكاد يفرضه ضعف سوريا وقلة خياراتها الموضوعية، والمطلوب الآن وفوراً أن تقوم الجماعة العربية كلها بممارسة هذا التحدى، لأن الأمة مجتمعة تستطيع أن تحقق منها عائداً حقيقيا، من دون تكلفة كبيرة لأن مواردها واستثماراتها السياسية كبيرة ورادعة، بل إن هذه الممانعة فضلاً عن عائدها السياسى، سوف تمنح الأمة صورة أكثر جاذبية، بدلاً من كآبة الركود، وعفن الجمود الراهن. والتمرد المقصود هنا من الجماعة العربية ليس إلا حركة تتسم بالعقلانية ولكن مع استقلال الإرادة .. بالحكمة السياسية ولكن مع العناد القومى .. بتوازن الانفعال ولكن مع كبرياء أمة لديها نفوذ وبها مصالح وتستطيع أن تقول لا.

وأما الشرط الثالث فهو تجاوز القطيعة المصرية ـ الإيرانية، والدخول فى فلك عملية سياسية نشيطة، ومنتجة إستراتيجيا بين الأطراف الأربعة. نعم هناك تباين فى مراكز إنتاج الرؤية الإيرانية للعالم بين المحافظين والإصلاحيين ينعكس علي رؤيتها لمصر علي نحو يصور للبعض أن الحوار مع إيران إما غير مجد أو حتى ممكن من الأساس. غير أن النظرة المدققة تكشف عن خطأ هذا المسلك، فالرغبة الإيرانية فى الحوار قائمة وعميقة وتستحق، علي الأقل، التجربة. ولعلى أتصور أن دعمها لحركات المقاومة العربية ليس إلا نهجاً مشاكساً فى طلب هذا الحوار، وأنها إذا ما وجدت الباب الأمامى مفتوحاً إليه فسوف تستغنى عن الباب الخلفى. 

ولذا ربما يتعين علي مصر أن تتخلص من أثر الدعاية الغربية حول إيران ورغبتها أو قدرتها علي تغيير خرائط المنطقة فهذا الحديث لا يعدو ما كان يقال عن مصر الناصرية نفسها، وعليها أيضا تجاوز الأوهام التي قد تنثرها إيران حول نفسها فإيران دولة مؤثرة بمعايير العالم الثالث لا أكثر، يعيش حلمها النووى بل يتغذي علي الاستبداد، وعليها كذلك إدراك أنها تحوز من القوة الكامنة بها أو المتولدة عن انتمائها العربى ما يضارع إيران ويفوقها كثيراً شرط رغبتها فى تحريك واستنفاذ هذه الطاقة. والأهم من ذلك، إدراك أن ثمة محفزاً جوهريا للسلوك الإيرانى هو الرغبة فى تحقيق نوع من الاستقلال الإستراتيجى للمنطقة يعكس خصوصيتها الحضارية، بعيداً عن الهيمنة الأمريكية. ونظن أن تلك الرغبة مشروعة، بل يجب أن تكون مشتركة مع مصر، لأنها حال توافرها سوف تدفع بالمنطقة إلي مسار حضارى توحيدى، يتجاوز النزوع التفكيكى طائفيا، وحال الركود السياسى قومياً.

والمهم هنا أيضاً، أن هذا المسار وعبر الكتلة الناشئة، التى تمثل تحالفاً سنياً ـ شيعياً يمثل جل المسلمين، ربما يكون الطريق الأمثل لإعادة صياغة دور الإسلام فى النظام العالمى باعتباره ذلك الإطار الحضارى الذى يستوعب حياة ربع البشرية، ونحو %15 من جغرافية العالم بما تحتويه من مشكلات سياسية وتناقضات استراتيجية إذ تمثل هذه الكتلة الطريق الأوفر حظاً لامتصاص المد الإرهابى فى المنطقة، وتخلق لغة حوار بديلة بين النظام العالمى والدولة التى تتحكم فى مصائره، وبين الثقافة التى يدعى الإرهاب لنفسه حق التعبير عنها والتى تضم أساساً الأعراق الثلاثة التركى ـ الفارسى ـ العربى التى توارثت الصور النمطية السلبية فى الوعى الغربى عن الإسلام والتى التبست أولاً «بالتركى القاسى المدجن بالسلاح علي أبواب أوروبا الحديثة، ثم بالإيرانى مدعى الالتباس بروح آيات الله ليخلع علي أمريكا والغرب المعاصر صورة الشيطان منذ سبعينات القرن الماضى، وأخيراً بالعربى الذى تجاوز شهوانيته الجنسية الموروثة إلي شهوانية قتل الغربى ولو أدت إلي انتحار الذات».

وإذا كان إرهابيو العالم العربى المعاصرون أمثال ابن لادن والظواهرى والزرقاوى قد تمكنوا من اختطاف الصورة الذهنية عن الإسلام، فإن هذه الكتلة الاستراتيجية بتوجهها المعتدل والسلمى، وباحترام الغرب والعالم لمنطقها قادرة علي استعادة وعى المسلمين، لأنها باختصار تعيد لهم الشعور بالكرامة المهدرة وهنا قد تكمن المفارقة، فبينما تصور صامويل هانتنجتون الصراع علي قيادة العالم الإسلامى بين المراكز الستة فى إطار صراعى مع الغرب، فإن نهوض هذه الكتلة بتجسيد إطار إستراتيجى لـ «الإسلام الحضارى» يتفاعل معه الآخرون «باحترام يصون كرامته» ربما يكون طريقاً إلي التعايش الحضارى بين بنيات تاريخية حية وفاعلة تجاوزاً لحديث العادة الثقافية من داخل غرف مغلقة عن «حوار الحضارات» الذى يبقي دعائياً ومحبطاً أمام ضغوط الأحداث و «صدام السياسات».

 
     
 
     
مواضيع ذات صلة
 
معالم على طريق تجديد الفكر القومي العربي
 
 
 
ابـواب الــعـدد
     
 
   
اكثر المواضيع قراءه
 
 
 
     
 
الصفحة الرئيسية :: شروط النشر :: الاشتركات :: من نحن :: اتصل بنا
جميع الحقوق محفوظة لمجلة شؤون عربية 2009 © تصميم وتطوير شركة ميركو ايجيبت