الصفحة الرئيسية
شروط النشر
الاشتركات
من نحن
اتصل بنا
 
 
 
الموسوعة السياسية المعاصرة- الحلقــة 13     رابطة دول الجوار العربي: فكرة سابقة لأوانها    منتدى الجوار العربي .. رؤية استشرافية     فلسطين فـي الأغنيـة العربية     رابطة الجوار العربي .. بين شروط الواقع ومعطيات التاريخ     رابطة الجوار العربي: تعويض ضعف العرب بقوة جيرانهم     جامعة الدول العربية ونظـام الأمـن الجماعـي العربـي     الانسداد التاريخي .... لماذا فشل مشروع التنوير في العالم العربي ؟     
 
     
 
  القاموس السياسي المعاصر - الحلقــة 11  
    د.احمد مختــار الجمــال  
    مفكــر ودبلومـاسي مصري - القــاهرة  
   

المنظم: صاحب المشروع الجديد                                               Entrepreneur                                    

هذا المصطلح من المصطلحات التى تستخدم بكثرة دون أن يكون لدي مستخدمها - فى أغلب الأحيان - صورة واضحة عن معناها الحقيقى، ولا الخلفية التى نشأ فيها المصطلح، خاصة عندما يكون الموضوع متعلقاً إما بالمشروعات الكبري أو المتوسطة أو الصغيرة أو حتي متناهيـة الصغـر Micro Enterprises. لهـذا كان لابـد من تعريف دقيق معاصـر لمصطلح «المنظم» أو «صاحب المشروع الجديد» بأنه هو الشخص الذى يبادر بإقامة مشروع اقتصادى أو تجارى أو صناعى، ويوفر رأس المال اللازم له وينظم الإنتاج ويختار الإدارة ويتحمل مسئولية المخاطر المالية التى قد يتعرض لها المشروع والنتائج المترتبة علي ذلك، علي أمل أنه سينجح وسيحقق المكاسب المرجوة. وهو يقوم بدور القائد الذى يجمع فى يده الأرض والعمال ورأس المال من أجل إنتاج وتسويق سلعة أو خدمة جديدة علي السوق. و«المنظم» يقدم رأس المال المطلوب كله، فى بادئ الأمر، سواء بالحصول علي قرض أو خلافه، ولكن عندما ينجح قد يري أن يوفر رأس مال إضافياً من أجل التوسع فى أنشطة المشروع بأن يطرح جزءًا من أسهم المشروع للجمهور علناً ليصبح المشروع شركة مساهمة. وعادة ما ينجح فى ذلك لأن النجاح يؤدى إلي مزيد من النجاح. وعادة ما توافق الجهة المقرضة علي منح قرض إضافى للتوسع.

وأصل مصطلح Entrepreneur فرنسى وانتقل إلي الإنجليزية بنفس النطق الفرنسى. وأول من عرّفه الاقتصادى الأيرلندى ريتشارد كانتيلون Richard Cantillon. وأصبح المصطلح بالإنجليزية يطلق علي الرجل (أو المرأة) الذى يتعهد أمام نفسه بأن ينشئ مشروعاً جديداً ويتحمل كل مسئولياته. ومن المعتقد أن أول من نحت المصطلح هو الاقتصادى الفرنسى "جان- بابتست ساى" Jean-Baptiste Say عام 1800، وهو القائل بأن المنظم هو الذى يقوم بمشروع، وخاصة المقاول أو المتعهد، الذى يقوم بدور الوسيط بين رأس المال والعمل.

وعمل المنظم، يكون عادة صعباً وحساساً، لأنه كما أن احتمالات النجاح واردة فإن الفشل فى بعض المشروعات الجديدة غير مستبعد، وربما لأسباب خارجة عن الإرادة. والمنظم يقصد به فى الغالب المؤسس أو المنشئ. وعادة ما يعنى المصطلح الشخص الذى يخلق قيمة مضافة بأن يقدم سلعة أو خدمة، بأن يخلق لنفسه مجالاً مناسباً فى السوق لم يكن موجوداً من قبل. ويميل المنظمون إلي التعرف علي الفرص المتاحة فى السوق بالدراسة أو الخبرة واستغلالها أحسن استغلال، بأن يخططوا لكل تفاصيل المشروع وإعداد دراسة جدوى علي يد متخصص. كما أنهم ينظمون مواردهم بشكل فعال لتحقيق منتج يغير من التفاعلات القائمة فى قطاع معين. ويري المراقبون أن المنظم يكون علي أتم استعداد لقبول مستوي عال من المخاطرة الشخصية أو المهنية أو المالية من أجل اهتبال الفرصة التى تلوح أمامه، والتى قد لا يدركها غيرهم. وقد فطن عديد من الدول النامية إلي أهمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة وأقامت صناديق للتنمية الاجتماعية للمساعدة فى تقديم كافة التسهيلات من تمويل وتدريب ودراسات جدوى وتسويق ومتابعة، وشجعتها الجهات المانحة الدولية بالقروض والمنح التى لا ترد.

وينظر إلي منظمى المشروعات علي أن لهم أهمية قصوى فى المجتمع الذى تتحكم فيه آليات السوق. وبعضهم أصبح من أصحاب المشروعات الكبيرة التى تقوم عليها التنمية. ومنهم من اهتم أيضاً بالبعد الاجتماعى ويطلق عليهم اسم «المنظمين الاجتماعيين» لاهتمامهم بخلق منفعة اجتماعية أو منفعة بيئية أو المنفعتين معاً. ولابد أن يتميز المنظمون - فى كافة المجالات - بمهارات قيادية وإدارية وقدرة علي خلق روح الفريق فى العمل لتعظيم جدواه. وهذا المفهوم ينص عليه فى البحوث الخاصة بالاقتصاد السياسى.

وهناك نظرية رائجة بأن المنظمين يخرجون من بين صفوف الشعب بناءً علي حاجة المجتمع إليهم، وبناء علي وجود فرص سانحة وشخصيات تكون فى وضع يمكنها من التعرف علي هذه الفرص والاستفادة منها إلي أقصي حد. فالمنظم هنا يكون الشخص الذى يتصور مشكلة ما ويري أنه قادر علي حلها، ويسعي بلا كلل لتحقيق حلمه. وبناء علي هذا الرأى يمكن دراسة توزيع المعلومات المتاحة أمام المنظمين المحتملين، من جهة، ومن جهة أخري كيف أن العوامل البيئية (مثل التوصل إلي رأس المال والمنافسة وغيرهما) تغير من معدل إفراز المجتمع للمنظمين. وهناك بعض المنظرين فى المدرسة النمساوية يرون أن المنظمين هم أشخاص مبدعون، ويستخدمون مصطلح «التدمير الخلاق» Creative Destruction لوصف رأيهم فى دور المنظمين فى تغيير أنماط الأعمال التجارية. وهذا التدمير الخلاق يتعامل مع التغييرات التى يحدثها نشاط المنظمين فى كل مرة تدخل فيها عملية أو سلعة أو شركة جديدة إلي السوق. وما نشاهده الآن من شركات ضخمة ومشروعات عملاقة بدأ معظمها بداية متواضعة علي يد منظم حالم ومبدع استطاع أن يحول حلمه إلي حقيقة. وقد رأيت بنفسى فى الولايات المتحدة واليابان «جراجات» و «ورش» متواضعة أصبحت بعد ذلك من الشركات متعددة الجنسيات.

 المســـــاواة                                                                                   Equality                                                                      

المساواة من المطالب التى يحرص عليها الأفراد والجماعات الإنسانية فى كل مكان، والتى لا تتوفر بسهولة إلا فى ظل ظروف معينة تتصل بمدي التطور الفكرى والتاريخى ومدي استيعاب مفهوم أن كل البشر متساوون فى القيمة بغض النظر عن عدم تساويهم فى المقدرة. وتعنى المساواة - فى جوهرها - أن تتاح لكافة البشر من كل الأجناس تكافؤ الفرص لأن يتمتع بالحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية دون تمييز بسبب الدين أو اللون أو اللغة أو الجنس أو المستوي الاجتماعى. ولهذا  نجد مفهوم المساواة متضمناً فى مبادئ الحقوق العالمية، كما نجده مذكوراً فى القوانين والدساتير للدول، ونلمسه بوضوح فى آيات القرآن الكريم وفى أحاديث الرسول ü وفى الأديان السماوية الأخرى وفى تعليمات الحكماء وآراء المفكرين ونظريات الفلاسفة.

ثم بعد ذلك أقرت الشعوب والحكومات الإعلان العالمى لحقوق الإنسان، الذى ينص فى المادة الأولي منه علي أن جميع البشر بلا استثناء يولدون أحراراً، متساوين فى المعاملة بما يصون الكرامة ويحافظ علي الحقوق والواجبات. فالمساواة مبدأ من أهم وأسمي مبادئ حقوق الإنسان، التى ترفض أى مظهر من مظاهر المعاملة المختلفة أو الفصل العنصرى أو التفريق أو التمييز بين البشر أو بين الأقليات العرقية والإثنية والثقافية، وبين الرجل والمرأة وضد المعوقين جسدياً. 

وقضية المساواة وأهميتها كانت الشغل الشاغل للفكر الإنسانى علي مدي تاريخ البشرية، وكان تحقيق العدالة الاجتماعية حلم الشعوب دائما أبداً، وخاصة فى المجتمعات التى حالت ظروفها دون تحقيق المساواة بدعاوي مختلفة أو تحت ظروف قهرية استثنائية. وبالرغم من الحظر الصريح علي المستويين الوطنى والدولى ضد التمييز، واتخاذ الكفاح لتحقيق المساواة علي جميع الأصعدة مسارات مختلفة ومتنوعة ومتواصلة، إلا أن المساواة كانت فى معظم الأحيان أبعد ما تكون عن التطبيق علي أرض الواقع، حيث تتواري العدالة ويسود الظلم وأبشع ألوان الاضطهاد والتعسف.

وإذا أردنا أن نعرّف معني المساواة فإنها استيعاب المجتمعات والتجمعات بجميع أشكالها، البدائية والمتحضرة، لمفهوم إتاحة الفرص المتساوية لجميع البشر للاندماج فى أنشطة الإنتاج والاستهلاك والتفاعل الاجتماعى والعمل السياسى. ومع هذا لم يشهد تاريخ البشرية، فيما عدا مجتمعات قليلة استطاعت أن تعترف بتكافؤ الفرص، وأن ترفع من قيمة الإنسان برفع مستواه التعليمى والصحى والمادى والأخلاقى. ولهذا لم يكن غريباً أن ترفع الثورة الفرنسية شعار الحرية والإخاء والمساواة تعبيراً عن طموح عموم الناس علي الحياة الكريمة، وإعادة تأكيد ما نصت عليه الشرائع السماوية من أن الله تعالي يحب جميع البشر، وأن المساواة المطلقة Egalitarianism فرض لابد من الأخذ به، بحيث يتلقي جميع الناس نفس المعاملة المتساوية فى القيمة الأساسية والوضع الأخلاقى. وهو أمرا تم تجاهله أو الالتفاف حوله علي مر السنين.

ولكن مبدأ المساواة المطلقة سريع التشكل لأن هناك أنواعاً مختلفة من المساواة أو الطرق التى يمكن التعامل بها بالتساوى والتى تبدو مقبولة. وفى المجتمعات الديمقراطية الحديثة فإن مصطلح Egalitarianism يستخدم للإشارة إلي وضع يحبذ، لأسباب عديدة، درجة أعلي من المساواة فى الدخل والثروة للمواطنين، أكثر مما هو حادث الآن. ومع هذا ما زالت هناك شعوب ودول وجماعات وجمعيات ومنظمات كثيرة تكافح بحق وبشرف، كل بأساليبه المتاحة، لتحقيق حلم المساواة بين البشر، إلا أنه ما زالت هناك أيضاً بعض الدول والجماعات تستخدم شعار المساواة لتحقيق مصالحها الذاتية علي حساب شعوب أخري.

 

الجاسوسية                                                                                    Espoinage                                                                 

الجاسوسية مهنة من أقدم المهن فى تاريخ البشرية، فقد كانت الحاجة إليها ملحة دائماً من أجل توفير بيانات ومعلومات وإحصاءات عن نقاط الضعف والقوة لدي الأعداء الحقيقيين والمحتملين، تُبني عليها توقعات وتقديرات لما يعدونه من خطط وبرامج وإستراتيجيات معادية. ويمتد ذلك أيضاً إلي ما يقومون به من مشروعات للتنمية والتعمير والإنشاء والاستعدادات والتدريبات والتسليح والتحالفات مع قوي خارجية وتعبئة داخلية. وتفيد هذه المعلومات والتحليلات التى تجري عليها فى التحسب والاستعداد، إما للقيام بهجمات استباقية أو الاكتفاء بدعايات مضادة، أو تقوية سبل الدفاع فى حالة تعرضها للهجوم من جيرانها أو دول خارجية عن المنطقة، بغية السيطرة علي مواردها الطبيعية والبشرية أو الاستفادة من موقعها الإستراتيجى.

وقد تنوعت أساليب المخابرات - التى تعتبر الجاسوسية أحد أهم أدواتها - علي مر العصور. وكانت تستخدم دائما أحدث ما وصل إليه العلم وما تفتقت عنه العقول من اختراعات وتقنيات، من أجل تحقيق أهدافها فى مفاجأة العدو بالاستعانة بما تحصل عليه من الأسرار التى يحرص العدو علي إخفائها، والاستفادة منها فى كسر شوكته واختراق تحصيناته والتأثير علي معنوياته وبث الذعر بين صفوفه.

وفى العصر الحديث استفادت الجاسوسية من التقدم العلمى والتكنولوجى فى كافة الميادين، وخاصة فيما يتعلق منها بسرعة الاتصالات وجمع المعلومات وتحليلها وكسر الشفرات بطرق حديثة بما يتيح التحسب للأزمات والتنبؤ يما يضمره العدو أو الأعداء سراً. كما استخدمت البراعة فى عمليات التمويه والخداع وأساليب تجنيد العناصر الذكية والمقدامة للحصول علي المعلومات بكافة الأساليب للمساعدة فى التنفيذ الدقيق للخطط الدفاعية والهجومية، من أجل الحفاظ علي الأمن القومى ووحدة الأراضى والمصالح الحيوية وتأمين المستقبل.

وتتفاوت نظرة الشعوب إلي الجاسوسية حسب ثقافتها وتاريخها وما مر بها من تجارب وأحداث وما حققته الجاسوسية من بطولات أو تسببت فيه من إحباطات. فبعض الشعوب والأفراد يرون فى العمل فى الجاسوسية أسمي درجات الوطنية والاستعداد للتضحية والفداء من أجل الوطن دون تهيب من المخاطر الكبيرة الأكيدة والمحتملة. والبعض الآخر يري أن الجاسوسية منافية للمثل العليا والمبادئ الأخلاقية لأنها تعمل فى الخفاء وتكشف المستور من الخبايا والأسرار التى يحرص أصحابها علي المحافظة عليها. ويرد علي هؤلاء بأنه فى حالة الحروب وإذا تعلق الأمر بالأمن القومى وأمن المواطنين فإن أية معلومات يتم الحصول عليها بهذه الطرق لا تستخدم فى التشهير أو فضح مرتكبيها وإنما فى درء الأخطار التى يمكن أن يتعرض لها الوطن. ويردون بأن الرسول ü كلف، فى السنة الثانية من الهجرة عبد الله بن جحش برصد تحركات قريش. وفى غزوة بدر الكبري أرسل اثنين من المحاربين المدربين للحصول علي معلومات عن قوات المشركين. ومع هذا لا جدال فى أنه من الضرورى مراعاة السرية التامة لأن فضح أساليب الجاسوسية وما تحصل عليه من أسرار ونشرها علي الملأ يضع الدولة والمسئولين فى حرج، ليس فقط مع الأعداء، أو أمام الرأى العام الدولى والإقليمى فحسب، وإنما أيضاً مع الأصدقاء والحلفاء الذين يبدءون فى التوجس حتي وإن كان هناك تعاون مخابراتى علي المستوي الرسمى.

وقد تزايد الوعى الشعبى بضرورة العمل المخابراتى والتجسسى من أجل الصالح الوطنى والحفاظ علي أمن الدولة من المخاطر الخارجية، أمام الطامعين فى ثرواتها أو الساعين إلي فرض إرادتهم ونفوذهم عليها. وأصبحت الروايات والقصص والمسلسلات الإذاعية والتليفزيونية والأفلام السينمائية تروى كثيراً من التفاصيل المسموح بها من الملفات السرية عن عمليات حقيقية ناجحة، لشد انتباه السامعين أو المشاهدين وتوعيتهم بإشراكهم فى التعرف علي أهمية هذا النشاط وخطورته، وما تبذل فيه من تضحيات من أجل سلامة الوطن وأمن المواطنين. بعكس ما درجت عليه بعض الأفلام الأجنبية من إضفاء نوع من التهويل والبطولات الخارقة غير الواقعية وأعمال الإثارة والمغامرات الخيالية علي قصص الجاسوسية التى لا أساس لها أصلاً أو يستحيل تحقيقها عملاً.

وبالرغم من أن المخابرات بمعناها الحديث تعود إلي القرن الثامن عشر، إلا أن الحرب العالمية الأولي والثانية والحرب الباردة ساعدت علي الارتقاء السريع بأجهزة المخابرات وابتداع وسائل أكثر تقدماً وتعقيداً فى التجسس واستخدام تكنولوجيا عالية المستوي، والصرف ببذخ علي اقتناء أكثر الأساليب سرعة وفاعلية، وتجربة أحدث الاختراعات، بعد أن اتضح أن الأسبق فى الحركة والأنشط فى التنفيذ والأقدر علي التصرف فى الوقت المناسب والأكثر ذكاءً ودهاءً، هو المنتصر فى النهاية، وهو ما ثبت فى الحرب العالمية الثانية، كما أن ما يتحقق من مكاسب أكبر بكثير من قيمة ما يتم صرفه علي المخابرات وأعمال الجاسوسية من أموال وما يبذل فيها من جهد. وكان جهاز المخابرات البريطانية هو أعرق جهاز فى العالم يليه جهاز المخابرات السوفيتى قبل تفكك الاتحاد السوفيتى، ثم حل محلهما جهاز المخابرات الأمريكية والصينية. ومع هذا فهناك تعاون وثيق فى مجالات محددة بين أجهزة مخابرات الدول الصديقة والمتحالفة وبالذات فيما يخص المناطق والمجالات ذات الاهتمام المشترك.

ولا بد أن نفرق بين عمل وأساليب المخابرات وعمل وأساليب الدبلوماسية وعدم الخلط بينهما. فالمخابرات لها عملها الذى يتسم بالسرية والتكتم والحصول علي المعلومات بطرق سرية منها تجنيد العملاء السريين والجواسيس لاكتشاف الأسرار العسكرية والسياسية والاقتصادية، بينما الدبلوماسية تستخدم الطرق العلنية فى الحصول علي المعلومات عن طريق المقابلات والحفلات و المناقشات وتبادل المعلومات عن طرف ثالث وتوثيق العلاقات الشخصية المفيدة والمعلومات المنشورة فى وسائل الإعلام والشائعات دون الالتجاء لأية أساليب مخابراتية سرية تشتم منها رائحة التجسس لأن ذلك يعرض الدبلوماسى لاعتباره شخصاً غير مرغوب فيه فى الدولة المعتمد لديها، أى طرده بطريقة مهذبة، وقد يترتب علي ذلك الرد بالمثل وتوتر العلاقات بين الدولتين وما هو أسوأ من ذلك.

ومع هذا، تشترك المخابرات مع الدبلوماسية - فى ظل عصر الثورة المعلوماتية - فى الاعتماد علي المعلومات العلنية المنشورة فى وسائل الإعلام، والتى تشكل حوالى 95 فى المائة من حقيقة ما يقع من أحداث، ولكنها تحتاج إلي فرز وتحليل واستخلاص للنتائج والتعليق عليها. بينما نجد أن 5 فى المائة فقط من المعلومات هى التى ينطبق عليها وصف السرية بدرجاتها أى «سرى» و«سرى جدا» و«سرى للغاية» و«محظور»، والتى ينشط رجال الدبلوماسية والمخابرات فى الحصول عليها كل بطريقته. وبالرغم من أن كثيراً من الدول الآن تفرج عن أسرارها بعد انقضاء فترة زمنية تصل إلي ثلاثين سنة أو خمسين سنة، إلا أن معظم الدول تحتفظ ببعض الأسرار الهامة التى يمكن أن تمس أمنها القومى ولا تبوح بها علي الإطلاق.

 

التعصب الإثني                                                                             Ethnocentrism                                                       

التعصب الإثنى (أى العرقى الثقافى) هو الاعتقاد بأن جماعة إثنية أو عرقية أو سلالة معينة أرقي من جماعة إثنية أو سياسية أو ثقافية أخري والحكم - من وجهة نظرها الثقافية - علي جماعات إثنية أخري بأنها أحط من الجماعة التى تنتمى إليها. ومصطلح التعصب الإثنى يستخدم عادة فى الدوائر التى تسود فيها العلاقات الإثنية والعرقية وغيرها من الموضوعات الاجتماعية المشابهة. ولا مفر من وجود تعصب إثنى فى التجمعات البشرية، حتي وإن كانت هناك جماعة ما تشعر بأنها وحدها المتسامحة والمتفتحة ذهنياً. والتعصب الإثنى هو أية سياسة أو بحث أو عمل يقوم به الأفراد أو المؤسسات التى تدعم (عن عمد أو عن غير قصد) ما يعتقدون أنه تفوق لجماعة معينة أو مهنة أو مجموعة من المثل. ويري «و. ج. ماكجى» وهو أحد العلماء الغربيين أن التعصب الإثنى هو أحد خصائص الثقافات البدائية وحدها، ولم يكن يتصور أن ثقافته الأوروبية تتسم بالتحيز  الإثنى هى الأخرى.

والتعصب الإثنى، كما هو مفهوم الآن فى القرن الحادى والعشرين تم تعريفه لأول مرة فى 1951 علي يد عالم الأنثروبولوجيا (علم الإنسان) إ. إ. إيفانز- بريتشارد E.E. Evans- Pritchard الذى أشار فى كتابه «الأنثروبولوجيا الاجتماعية» إلي أن التعصب الإثنى هو الادعاء أو الإيمان بأن جماعة ما لها تفوق علي الجماعات الأخرى، وحث علي ضرورة نبذ هذا الاتجاه القائم علي التعصب الإثنى «إذا أردنا أن ندرك قيمة التنوع الثرى للثقافة الإنسانية والحياة الاجتماعية». فالتعصب الإثنى يؤدى إلي سوء فهم الآخرين، والنظر إليهم من خلال تجربتنا المعيشية وليس من خلال سياقهم. ولا نفهم أن طرقهم لها معانى ولها وظائف معينة فى الحياة، بنفس الطريقة التى لطرقنا فى الحياة. وبدلاً من حالة العداء للثقافات الأخرى واحتقارها فإن الواجب هو المحافظة عليها واحترامها ودراستها والتعمق فيها - وليس مجرد التحاور معها - للتوصل إلي جذورها ومبرراتها، من أجل التعايش معها. وبهذا وحده تحل معظم المشاكل بين الأمم والدول والحضارات والتى سببها التوجس والمعلومات المغلوطة والخلط بين الحقائق والمصالح.  

فالتعصب الإثنى فى العلاقات الدولية يخلق الصراعات ويضخمها ويؤججها، ويحول دون حسمها. فمثلاً إذا عبرت احدي الجماعات عن وجهة نظرها فإن طريقتنا فى الحياة تؤثر علي تفسيرنا لنوايا هذه الجماعة إذا كان رأيها مخالفاً لرأينا، ولا نفكر هل هى مجرد وجهة نظر أخري لهذه الجماعة، أم أنها وجهة نظر «مضادة ومعادية» لوجهة نظرنا. ولا نسأل أنفسنا هل إذا لم «ننتصر» فى الصراع فهل معني هذا أننا «نخسر» بالضرورة ؟ وهى ما تسمي المعادلة الصفرية Game Zero-sum. أو أن تكون لنا نوايا إيجابية (من وجهة نظرنا) فى «مساعدة» الجماعات الأخرى علي التعامل مع مشكلات معينة، ولكن لا نهتم كيف تنظر هذه الجماعات إلي المشكلة أو نوع الحل الذى يريدونه والذى يناسب ظروفهم، وبهذا نطبق المعادلة الأخرى بأن الكل يمكن أن يكسب دون أن يكون انتصار جماعة يعنى بالضرورة هزيمة جماعة أخري وهى المعادلة المعروفة باسم Win-win Game أو Positive-sum Game، والتى يقوم علي أساسها التعاون الدولى أو التراحم الأسرى، والتى تبني عليها الصداقات والتحالفات والتجمعات.

وهناك أشكال متطرفة من التعصب الإثنى التى تسببت وتتسبب فى مشكلات اجتماعية خطيرة مثل العنصرية والاستعمار والتطهير العرقى و «الأبارتايد». كما أن بعض المجتمعات المتقدمة وخاصة الغربية تفسر وتثمن الثقافات الأخرى حسب ثقافتها هى، وتدمغها بأنها مجموعة من «المتخلفين» أو«المتوحشين» أو «البرابرة» لمجرد أن مجتمعاتهم تختلف عن الثقافة الغالبة فى حقبة معينة. بينما المقابل المضاد للتعصب الإثنى هو النسبية الثقافية، أى فهم الظواهر الثقافية فى السياق الذى تحدث فيه. ويعتقد الكثيرون أن مفهوم التعصب الدينى يمكن أن يطبق علي نطاق أوسع علي اتجاهات معظم الناس طالما أن غالبيتهم يحبون أو يفضلون ثقافتهم هم علي الثقافات الأخرى. وهم عندما يفعلون ذلك يميلون إلي الحط من قيمة الثقافات الأخرى كما أسلفنا. كما أن المصطلح يشير أيضاً إلي التوتر الذى قد يوجد فى المجتمع الذى يضم عدة جماعات أو إثنيات وسلالات ثقافية مختلفة.

وقد تميزت الحضارة الإسلامية العربية ببعدها عن التعصب الإثنى والترحيب بالعلماء والقادة والمتميزين - بصرف النظر عن أصولهم غير العربية - مثل ابن سينا والفراهيدى وسيبويه وابن رشد، والتفاخر بفكرهم وإنتاجهم العلمى وروحهم الإسلامية، وكذلك صلاح الدين الأيوبى وبطولاته العسكرية والسياسية فى الوحدة والتحرير وفتح القدس وتخليصها من الصليبيين. ولم تشكل الثقافة العربية في تجربتها التاريخية نظاماً ثقافياً مغلقاً، وإنما عبرت دائماً عن قدرة واضحة علي الانفتاح والنماء وتجاوز الذات فتقبلت خبرات الأمم الأخرى ودمجتها في معارفها ونظمها رغم سمة الاختلاف والتباين التي تميزها عن تلك الأمم وتجاربها، فمثلت الثقافة العربية الإسلامية وعاءً واسعاً وفضاءً مفتوحاً لمفهوم التعددية الحقيقية واستيعاب المخزون الثقافى للأمم والشعوب المختلفة، وبالتالى ساعدت أوروبا علي نهضتها الحديثة باعتراف العلماء الأوروبيين.

 
     
 
     
مواضيع ذات صلة
 
الموسوعة السياسية المعاصرة- الحلقــة 13
القاموس السياسي - الحلقــة 12
القامـوس السيـاسي المعاصـر - الحلقــة التاسعــــــة
القامـوس السيـاسي المعـاصـر - الحلقة العاشرة
 
 
 
ابـواب الــعـدد
     
 
   
اكثر المواضيع قراءه
 
 
 
     
 
الصفحة الرئيسية :: شروط النشر :: الاشتركات :: من نحن :: اتصل بنا
جميع الحقوق محفوظة لمجلة شؤون عربية 2009 © تصميم وتطوير شركة ميركو ايجيبت