انعقدت القمة العربية العادية الثانية والعشرون فى مدينة سرت الليبية قبل بضعة أشهر، ولا يزال اقتراح السيد عمرو موسي أمين عام جامعة الدول العربية بإنشاء رابطة للجوار العربى، يثير جدلاً سياسياً وفكرياً لدي الأوساط العربية المهتمة بمستقبل هذه الأمة.
ولم تكتسب فكرة مأسسة العلاقة مع محيط الجوار العربى أهميتها لمجرد التجاور الجغرافى، فدول المحيط الجوارى لأى إقليم مهمة ولها خصوصيتها لجهة أعضاء الإقليم. أما فى الحالة العربية فإن تأطير العلاقة مع دول الجوار يكتسب أهمية خاصة لاعتبارات أخري منها :
(أ) التشوش العربي بشأن العلاقة مع الجوار: فهناك غياب للتناغم العربى المفترض فى إدارة وتوجيه العلاقة مع دول الجوار، ما يجعل العلاقات الفعلية معها متفاوتة ومختلفة بل متناقضة من دولة عربية إلي أخري، ويضع السياسات العربية تجاهها فى حالة تعارض يصل إلي حد التأثير السلبى المتبادل.
(ب) تفاقم الدور الجواري: بما جعل حضور وتأثير الأطراف أعضاء المحيط الجوارى العربى رقماً أساسياً وثابتاً فى أى معادلة إقليمية، سوء كانت تتعلق بشأن أو قضية إقليمية بالمعني الجغرافى والسياسى أو تتعلق بقضية أو مسألة هى فى الأصل عربية خالصة. بالتالى لم يعد التفاعل مع هذا التأثير وذاك الحضور اختياراً إرادياً أو بديلاً يقبل الاستبعاد، بل أصبح علي العرب التعاطى معه دائماً، وفى أحيان كثيرة التعاطى معه أولاً.
(ج) تجاوز الطرف العربي: أصبحت القوي الكبري فى العالم وكذلك القوي الإقليمية، تتخذ مواقفها وتباشر سياساتها فى المنطقة العربية دون إيلاء الموقف العربى ما يستحق من أهمية وحساب. والأمثلة علي ذلك عديدة خصوصاً فى العقد الأخير، من بينها ما أسمته واشنطن الحملة الدولية لمكافحة « الإرهاب » واستبعاد الجانب العربى تماماً من تفاعلات الملف النووى الإيرانى، وغير ذلك من تطورات وتحركات دولية سواء من جانب الولايات المتحدة وأوروبا، أو من جانب قوي دولية أخري (مثل التحرك البرازيلى مؤخراً بالوساطة فى تسوية الأزمة النووية الإيرانية)، كلها تحركات تتم دون المرور بالبوابة العربية، بل أيضاً دون أخذ المصالح والمواقف العربية من هذه القضية أو تلك فى الاعتبار. أما علي مستوي الدول الإقليمية ذاتها، فليس أدل علي ذلك من الأدوار الإيرانية المتنفذة فى العراق ولبنان وفلسطين. وكذلك تحركات دول منابع النيل التى أبرمت خمس منها اتفاقية بشأن توزيع مياه الحوض دون مبالاة بموقفى مصر والسودان.
أبعاد الفكرة ودلالاتها
الغاية النهائية من فكرة إقامة رابطة تضم دول الجوار مع الدول العربية هى تأطير العلاقة مع مجموعة الدول المحيطة بالمنطقة العربية .. علي أن يلبى ذلك الإطار هدفين:
الأول هو توحيد - أو حتى تنسيق - التعامل العربى مع الدول المجاورة للمنطقة العربية.
الثانى هو وضع خطوط حاكمة للعلاقات العربية مع دول الجوار، لا يخرج أى من الجانبين عنها، بما يحفظ حداً أدني من الاستقرار والسلمية فى تلك العلاقات، فضلاً عن إمكانية الارتقاء بها لاحقاً إلي درجات أعلي من التعاون والتنسيق تحقق مكاسب مشتركة أو متبادلة.
من هنا فإن الخطوة الأولي نحو معالجة موضوعية لتلك الفكرة الوليدة، أن يتم تحديد الدور الوظيفى الذى يفترض أن يضطلع بـه الكيان المقـترح أو الصيغـة المزمعـة بغـرض الوصول إلي «تأطير العلاقة مع دول الجوار العربى» وهذا مطلب مسبق ينبغى علي الدول العربية استيفاءه قبل الشروع فى أى خطوة إجرائية باتجاه تنفيذ الفكرة. فبداهة، سيختلف دور تلك الصيغة الإقليمية الجديدة إذا كان المطلوب منها هو تحويل العلاقة بين الدول العربية ودول الجوار إلي اندماج أو وحدة أو تكامل، عما لو اقتصر المطلوب علي إيجاد فضاء تشاورى يهيئ للاتصال والحوار ليس أكثر. وبينهما درجات من الوثوقية والارتباط تترتب عليها بالتبعية أشكال ومضامين لدور أو أدوار الرابطة المقترحة.
ويلاحظ هنا أن التصور المبدئى الذى طرحه الأمين العام للجامعة العربية اتسم بالشمول ومراعاة الفوارق فى الوقت ذاته، وهذا هو سبب دعوته إلي تبنى مبدأ التدرج فى تطبيقها، وكذلك التعامل مع كل دولة كحالة منفصلة، بالاستفادة فى ذلك من تجارب سابقة أبرزها إدارة الاتحاد الأوروبى لعلاقاته مع الدول الراغبة فى الانضمام إليه، وكذلك ما يسمي منطقة الجوار الأوروبى. وهو ما يدعو أيضاً لدي النظر فى طبيعة الرابطة المقترحة، إلي الحرص علي إعمال مبدأ التدرج ذاته، بمعني ألا يتم الإسراع بتدشين الصيغة المقترحة كمنظمة دولية أو إقليمية تفرض علي أعضائها التزامات واسعة وتتمتع بصلاحيات واختصاصات فضفاضة، حيث ارتفاع سقف الطموحات غالباً ما يجعلها عصية علي التنفيذ. لذا ربما يكون أكثر واقعية أن يكون للرابطة المقترحة طبيعة تشاورية تحت عنوان «منتدى الجوار العربى» تحمل مداولاته إلزاماً معنوياً أكثر منه قانونياً، علي أن يتم إكساب قراراته صفة الإلزام لاحقاً وبالتدريج، ومن المفيد فى هذا الخصوص التفرقة بين مجالات التعاون والتشاور بين الدول الأعضاء، والتعامل مع كل مجال علي حدة خصوصاً فيما يتصل بالطبيعة الإلزامية للواجبات المترتبة علي العضوية فى الرابطة، إذ يمكن - مثلاً - تسريع معدل تدرج الإلزام فى النشاطات والخطوات المرتبطة بالمجالات الاقتصادية مثل مناطق تجارة حرة، وحوافز الاستثمار، والتشريعات الضريبية، وغيرها من المسائل غير الخلافية، وإبطاء وتيرة التدرج فى الجوانب والقضايا السياسية والأمنية.
وبغض النظر عن الخطوات الفعلية التالية بشأن الفكرة وما إذا كانت ستنفذ أم لا، الحاصل أن مجرد إعلانها رسمياً من جانب أمين عام الجامعة العربية أمر له دلالاته، وكان له أصداؤه، ويمكن رصد بعض تلك الأصداء والدلالات فى النقاط التالية:
· استشعار الخطر: الملمح الأبرز فى دلالات طرح الفكرة فى القمة العربية الأخيرة فى ليبيا، أنه عكس بعمق استشعار الجامعة العربية، أو تحديداً أمينها العام، أن خلل الميزان الإقليمى وصل إلي حالة ينبغى عدم السكوت عنها وتستوجب التحرك واستنهاض همة وإرادة الدول العربية الأعضاء فى الجامعة لتصحيحه أو علي الأقل الحد من تفاقمه. وبافتراض أن استشعار الخلل ليس مقصوراً علي عمرو موسي سواء بشخصه أو بصفته، فإن مبادرته بإعلان تلك الفكرة ومواجهة الدول العربية بها فى القمة، إنما يمثل بداية أو دعوة لتحويل الشعور بذلك الخلل من مستوي الإدراك إلي مستوي الفعل والسلوك.
· كسر حالة «اللا موقف»: لا شك فى أن مبادرة أمين عام الجامعة العربية حركت المياه العربية الراكدة بشأن العلاقة مع الدول المجاورة، ما يعنى أن السجال الدائر حول الفكرة من شأنه الخروج ولو بتصور مبدئى حول العلاقات العربية - الجوارية، وهو ما يمثل بذاته نقطة إيجابية كبيرة فى اتجاه رسم خريطة إدراكية عربية للعلاقة مع القوي الأخرى فى العالم، وليس فقط مع دول المحيط الجوارى المباشر.
· سبر المواقف القُطرية: كثيراً ما تتبني الدول العربية مواقف معلنة مغايرة لما تمارسه من سياسات وتحركات فعلية، بل وأيضاً لما تتبناه من مواقف فى الاجتماعات واللقاءات المغلقة. من هنا فإن إثارة قضية العلاقة مع دول الجوار علي المستوي الرسمى والإعلامى سيحشر تلك الدول صاحبة المواقف المزدوجة فى الزاوية، حيث سيكون عليها اتخاذ موقف واضح ومحدد من فكرة الانضواء مع دول الجوار فى إطار مؤسسى ينظم العلاقة معها. والأهم من ذلك أنه سيكون علي كل دولة عربية تفسير موقفها وتبريره أمام الدول الأخرى سواء علي المستوي الرسمى فى نطاق الجامعة العربية، أو إعلامياً أمام الرأى العام العربى، الأمر الذى ربما يدفع بعض الدول إلي مراجعة سياساتها ومواقفها وأخذ رد الفعل الشعبى والإعلامى فى اعتبارها وهى بصدد رفض أو قبول فكرة «رابطة الجوار».
· رسالة لإيران: بعثت مبادرة الأمين العام رسالة واضحة إلي إيران مفادها أن ثمة موقفاً عربيا جديداً بخصوصها وأن الغياب العربى عن السياسات والسلوكيات الإيرانية ليس أبدياً، وهو ما يعنى بالضرورة أن علي طهران التوقف عن تجاهل الجانب العربى فى سياساتها وتحركاتها الإقليمية.
مقابل هذه الدلالات الإيجابية فى طرح فكرة رابطة أو «منتدى الجوار» هناك أيضاً دلالات غير إيجابية، يمكن إجمالها فى أن طرح الفكرة وإثارتها علناً، وردود الفعل العربية عليها -الرسمية خصوصاً، أكد ما هو معروف من تفاوت فى التقديرات والحسابات بين الدول العربية وبعضها البعض بشأن العلاقة مع دول الجوار. ورفع الستار عن الخلاف الكامن حول العلاقة مع بعض تلك الدول، تحديداً إيران. الأمر الذى جعل الفكرة تصطدم مبكراً بذلك الخلاف العربى حول وضعية طهران وموقعها فى الإدراك الإستراتيجى العربى.
والدعوة إلي الحوار مع إيران ليست جديدة، والأصوات التى نادت بضرورة فتح قنوات حوار وتواصل مع طهران كثيرة وقديمة، لكن تلك النداءات لم تجد صدي لدي الأوساط العربية، إذ تجاهلتها الدول العربية الرافضة لسياسات إيران وتعتبرها جاراً معادياً للعرب، أما الدول المؤيدة لعلاقات أقوي مع إيران، فلم تُبد حرصاً كبيراً علي توسيع دائرة التحالفات الإيرانية فى المنطقة، فيما يمكن تفسيره بخشية تراجع دورها وموقعها فى معادلة التوازن الإقليمى السائدة، حال انتقال دول معسكر العداء مع إيران إلي دائرة المتحالفين معها، أو حتى تخفيف الاحتقان بين تلك الدول وطهران. ولم تخرج ردود الفعل العربية علي فكرة «رابطة الجوار» عن هاتين المجموعتين: دول رافضة مبدئياً، ودول من مصلحتها احتكار التنسيق والتعاون مع طهران.
الفــــرص والشـــــروط:
باستقراء ردود الفعل العربية علي اقتراح أمين عام الجامعة العربية، يمكن بسهولة تقدير ضخامة المصاعب التى تنتظر الفكرة حال الشروع فى تنفيذها، فكما سبقت الإشارة لم تصدر عن الدول العربية أى إشارات تدعو إلي التفاؤل، سواء من جانب الدول المتحفظة أو المؤيدة. بالتالى فإن أولي العقبات أمام الرابطة المقترحة تنبع من مواقف الدول التى يفترض أن تكون صاحبة المشروع وأن تتبناه.
والأهم من ذلك، أنه حتى لو اتفقت الدول العربية، أو توافقت علي صيغة وسطية فضفاضة تُسمي مثلاً «منتدى الجوار العربى» فإن هذا لن يلغى الخلافات والتباينات والانقسامات القائمة أصلاً بين الدول العربية وبعضها البعض. وهو ما يعنى انتقال الخلافات والانقسامات ذاتها مع الدول العربية إلي المحفل الجديد. لكن الخشية الأكبر أن تقف تلك الانقسامات حائلاً دون تبلور الفكرة وظهورها إلي النور، أو أن تظل حاضرة فى كل خطوة نحو تنفيذها، ما يفرز فى النهاية كياناً هزيلاً أو صيغة شكلية مفرغة من جوهر الفكرة الأصلية وبالتالى بعيدة عن تحقيق غايتها.
بعد ذلك يأتى موقف الطرف الآخر، أى دول الجوار. وبينما سارعت تركيا إلي قبول دعوة موسي، وينتظر أن تحذو حذوها دول أخري، لا ينبغى التفاؤل كثيراً بموقف إيران، التى لا تحظي أساساً بقبول أو توافق عربى حولها. إذ ستجد طهران أن لزاماً عليها تقديم ما يثبت حسن نواياها تجاه العرب أولاً، وهى ليست مضطرة إلي ذلك فى ظل التوازنات الإقليمية الراهنة وأيضاً فى المستقبل القريب حال تسوية أزمتها النووية مع الغرب سلمياً، والاحتمال الوحيد لأن تجد إيران ذاتها بحاجة إلي التعاون والتنسيق مع الدول العربية، هو تعرضها لعمل عسكرى كبير لا يكتفى بتعطيل برنامجها النووى أو إبطائه، وإنما يؤدى إلي إضعاف قوتها العسكرية التقليدية وتكبيدها خسائر ينوء بها اقتصاد مرهق أصلاً، وبالتالى كسر - أو علي الأقل تطويع - إرادتها السياسية.
أما الدول الأخرى سواء الإفريقية أو المتوسطية، فإن تحمسها للانضمام إلي الرابطة المقترحة، مشروط بالضرورة بالمكسب أو المقابل الذى ستتحصل عليه. وهو ما يعنى أن علي الدول العربية ألا تتوهم أن فكرة «رابطة الجوار» فرصة ذهبية سيتم اقتناصها فى الحال. ففرص النجاح فى تسويق الفكرة وإقناع دول الجوار بها، مرتبطة كماً وكيفاً بالإغراءات التى سترافقها، أى بما تكون الدول العربية علي استعداد لتقديمه إلي تلك الدول، سواء كان مكسباً اقتصادياً، أو إستراتيجياً أو سياسياً، أو حتى عسكرياً. بإيجاز علي الدول العربية ألا تتوقع للرابطة المقترحة قبولاً «مجانياً» من دول الجوار.
مـــــزايا ومخاطـــــــر
رغم الصعوبات التى تكتنف الفكرة الوليدة، وضيق الفرص المتاحة أمامها للخروج إلي النور، إلا أنه من الضروري التفكير مبكراً فيما ستفضى إليه - حال تنفيذها - من نتائج، سواء كانت مكاسب ومزايا، أو سلبيات ومخاطر.
أولاً- المـــــــزايا:
1. من شأن إيجاد صيغة مؤسسية تنظم العلاقة بين الدول العربية ودول الجوار الإقليمى، أن ترشد نسبياً السلوك العربى تجاه تلك الدول، فلا يكون السلوك فرديا دون ضابط أو رابط يتجاوز الحسابات والمصالح القُطرية. حيث ستكون كل دولة عربية مسئولة عن توجهاتها الإقليمية علي مستويين لا واحد، فإذ لم تعد المؤسسة الممثلة للمستوي الأول (الجامعة العربية) قادرة علي تأطير وتنظيم علاقات وتوجهات أعضائها، فإن المؤسسة أو الإطار أو الصيغة التنظيمية الجديدة ربما تضع الدول العربية أمام التزام أوسع نطاقاً سواء من الناحية الجغرافية، أو من الناحية الموضوعية والسياسية.
2. سيؤدى انضواء الدول العربية ودول الجوار الإقليمى تحت لواء تنظيمى واحد إلي فرض التزامات ومسؤوليات علي الدول المجاورة التى ستنضم إلي التجمع الجديد أياً كانت صيغته أو حدوده الوظيفية. مع ملاحظة أن جوهر ونطاق تلك الالتزامات والمسؤوليات سيخضع بالضرورة لطبيعة ووظائف التنظيم المقترح، حيث سترتبط درجة الإلزامية فى التنظيم الجديد بما إذا كان مجرد منتدى حوارى أو محفل تشاورى أم منظمة إقليمية لها نظام أساسى أو ميثاق وتحكمها اتفاقات وآليات عمل ملزمة للدول التى تقبل بها.
3. إذا تم التعامل مع الرابطة المقترحة بمنظور وظيفى، فإن العلاقة بين الدول العربية ودول الجوار الإقليمى ستتحول تدريجياً إلي علاقة اعتماد متبادل، تقوم علي التعاون والتنسيق بالتوازى مع توزيع الأعباء. وعلي الدول العربية أن تدرك جيداً ما لهذا المدخل من مزايا وأعباء، فمثلما سيمكنه الاستفادة من التعاون الوظيفى مع دولة مثل تركيا أو حتى إيران، فسيكون عليها أيضاً تحمل عبء التعاون مع دول أخري مثل دول الجوار الإفريقى، التى ستتوقع أن تأخذ من الدول العربية أكثر كثيراً مما ستعطى، خاصة علي المديَيْن القصير والمتوسط. بينما تختلف الحسابات والتقديرات كثيراً فى المدي الطويل، وتجسد حالة دول منابع النيل قصور النظرة العربية (المصرية فى هذه الحالة) لمزايا وأعباء التعاون والارتباط مع دول الجوار بغض النظر عن قدراتها الاقتصادية والعسكرية.
4. أياً ما كانت الأهمية التى ستوليها دول المنطقة للتنظيم المقترح، فإن إنشاءه والبدء فى ضم دول إقليمية إليه، سيدفع بحركة التفاعل الإقليمى نحو تحويل العلاقة العربية مع الأطراف الإقليمية إلي علاقة مباشرة دون المرور بأطراف ثالثة أو علي الأقل تحجيم دور تلك الأطراف وإن تدريجياً، ما يعنى تقليل الارتباط بالمداخل الخارجية فى توجيه ذلك التفاعل.
ثانياً - المخاطـــــر:
1. للمراقب العربى أن يقلق خشية أن يؤدى طرح فكرة إنشاء تنظيم إقليمى أو تكتل إقليمى يضم دولاً غير عربية، إلي إحياء أفكار وطروحات لصيغ إقليمية أخري جوهرها النهائى ضم إسرائيل مع الدول العربية فى إطار تنظيمى واحد. ورغم أن الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسي كان صريحاً وقاطعاً فى هذا الشأن، إلا أنه لا يوجد ما يضمن عودة تلك المطالب إن لم يكن فى المرحلة الحالية فلاحقاً إثر تدشين الرابطة المقترحة خصوصاً لو ضمت إيران فى عضويتها بشكل أو بآخر. وهنا يوجد أكثر من مصدر للقلق:
أ. الأول يتعلق بمستقبل الرابطة المقترحة وما يمكن أن تتعرض له من ضغوط أو علي الأقل إلحاحات مستمرة من جانب الولايات المتحدة لضم إسرائيل إليها أسوة بإيران (حال ضمها) الأمر الذى سيفضى فى النهاية إما إلي إضعاف الرابطة المقترحة وتفتيتها إن لم يكن تقويضها مبكراً، أو قبول عضوية إسرائيل بها دون استيفاء شروط ومتطلبات هكذا خطوة.
ب. يكمن المصدر الثانى للقلق فى إمكانية استحداث صيغ تنظيمية إقليمية جديدة تكون موازية لرابطة الجوار، وذلك فى حال استمرار استبعاد إسرائيل منها. ومن غير المستبعد بأى حال أن يجرى سريعاً تكوين منظمة أو صيغة تنظيمية أو حتى تشاورية - مرحلياً - حتى وإن لم تكن شاملة لكل الدول العربية. الأمر الذى يفتح الباب أمام تعدد التنظيمات والتكتلات «الإقليمية» ويجعل المنطقة منقسمة علي نفسها تنظيمياً بعدما هى منقسمة سياسياً.
2. سواء تحقق الهاجس السابق أم لم يتحقق، هناك خشية كبيرة علي مصير الجامعة العربية، وهى مخشىٌ عليها أصلاً، خاصة أن عمليات تطوير وإصلاح الجامعة وآلياتها ومؤسساتها الفرعية لم تكتمل بعد ولم تلق حتى الآن من الدول العربية ما تحتاجه من إرادة تنفيذ. ولما كان هذا هو حال الجامعة وهى المنظمة الإقليمية الرئيسة والمؤسسة الوحيدة المؤطرة للنظام الإقليمى العربى؛ فمن المشروع التساؤل بل استشعار قلق شديد عليها عندما يظهر إلي جوارها إطار تنظيمى سيكون أكثر شمولاً فى عضويته. وهو ما يمكن أن ينعكس سلباً علي الجامعة العربية بأن ينحسر الاهتمام العربى بالجامعة ككيان تنظيمى وإطار جامع للدول العربية، وتتوقف محاولات إصلاحها وتطويرها. ما يعمق الجمود والعجز المصابة بهما الجامعة فى كثير من أوجه عملها.
فى ضوء ما سبق، هناك خطوات ومتطلبات أساسية ينبغى استيفاؤها إذا أريد لفكرة أمين عام الجامعة العربية، عمرو موسي، أن تظهر إلي النور، ومن أبرز تلك المتطلبات:
§ الإقرار بشكل علنى ورسمى بخطورة استمرار الوضع الحالى علي الدول العربية فرادي وجماعياً. وبالتالى الالتزام بالعمل سوياً وبصورة عملية علي تعديل الوضع الراهن المختل.
§ وضع تصور عربى لطبيعة العلاقة المفترضة مع دول الجوار. يتضمن معايير محددة وواقعية لدرجات وأنماط العلاقة، وطبيعة وأشكال السياسة العربية المطلوبة تجاه كل منها.
§ أن يكون التمثيل العربى فى أى إطار مؤسسى أو تنظيمى آخر مقترح حالياً أو قد ينشأ مستقبلاً، من خلال الجامعة العربية كمؤسسة رئيسة ووحيدة للنظام الإقليمى العربى.
§ تفعيل خطوات إصلاح وتطوير واستنهاض الجامعة العربية. كعملية جوهرية فى اتجاه تنظيم البيت العربى، وذلك بمعزل عن رفض أو قبول أى صيغ أخري مستحدثة.
إن عبء السعى إلي الوفاء بتلك المتطلبات والعمل علي تحقيق الخطوات، علي عاتق الأمانة العامة للجامعة العربية. وهى مسؤولية كبري لكن ليس هناك من يضطلع بها غير الجامعة ذاتها. وبالإضافة إلي مشقة حث الدول العربية علي استيفاء تلك المتطلبات، هناك مسؤولية أخلاقية وسياسية تقع علي الجامعة وأمينها العام، وهى التعاطى مع هذه المتطلبات ومع تطورات فكرة «منتدى الجوار» بشفافية كاملة، وذلك بأن يطلع الأمين العام الشعوب العربية علي مواقف وتحركات الدول العربية بما يضع الرأى العام العربى فى الصورة مما يجرى، ويضع الدول العربية أمام مسؤولياتها تجاه شعوبها، ويضع الجامعة وأمينها العام خارج دائرة المساءلة الشعبية، خاصة مع اقتراب موعد انتهاء فترته الثانية فى موقع الأمانة.