عندما نتعامل مع مركّب من القضية الفلسطينية فهناك أهمية قصوى أن نتعامل معه ضمن سياق القضية العام وليس كقضية بحد ذاتها أو كأنها مركّب منعزل عنها. السياق العام للصراع وللغبن التاريخى واستلاب الحق هو ما يرسم حدود القضية لا توازنات القوي السائدة. وجدير بالتنبيه هنا أن التعامل التجزيئى مع القضية الفلسطينية يقود إلي متاهة يغيب فيها الحق الفلسطينى ويجرى فيه تغييب لجوهر إسرائيل الاستعمارى وحماية له.
موقع القدس ضمن القضية الفلسطينية هو مركّب من مركبات الصراع مع المشروع الصهيونى الاستعمارى، وهو جزء من هذا الصراع. ويأخذ حيّزاً خاصاً فى النقاش كون القدس شكلت تكثيفاً للرمزية ضمن حركة التحرر الوطنى الفلسطينى فى مواجهة المشروع الصهيونى والذى بدوره تعامل مع القدس كمركّب أساسى فى بناء بنيته وأسطورته. أى أن موقع القدس فى القضية الفلسطينية يتناسب طردياً مع مركزية موقعها فى المشروع الصهيونى للاستيلاء علي فلسطين وتهجيرها وسلب الوطن وتهويده. إن تعزيز صمود وقوة أى جزء من الشعب الفلسطينى هو تعزيز لقوة الشعب الفلسطينى كله ونضاله من أجل استعادة الوطن واستعادة حقوقه. وسنعود إلي ذلك لاحقاً.
القدس فى قلب القضية الفلسطينية وعنوان لوحدة شعب. وهى أيضاً عنوان لدور جماعى للأمة العربية. لكن ما يجرى علي أرض الواقع أن النظام الرسمى الفلسطينى والنظام الرسمى العربى لا يملكان مشروع تحرر ولا مشروع بناء أمة ولا بناء شعب. واستعاضاً عن البعد العربى الإستراتيجى للمسألة الفلسطينية كقضية عربية بالولاء الكامل للمشروع الأمريكى الاستعمارى المهيمن علي المنطقة والذى حدد ركيزته الإستراتيجية إسرائيل.
من المهم التأكيد أن المعركة علي القدس لم تحسم بعد، ولو كانت محسومة فى حسابات إسرائيل لما انشغلت فيها ليل نهار. مع أن إسرائيل تقودها لتبرير مجمل المشروع الاستيطانى. المعركة علي القدس لم تحسم لصالح الاحتلال ويجب أن يكون الدور الفلسطينى والعربى والإسلامى والعالمى منعها من أن تحسم لصالح الاحتلال كمقدمة للتحرر منه، لكن قولنا إن المعركة لم تحسم لا يعنى أن القدس بخير وأن نتائجها مضمونة، وهنا يأتى دورنا كشعب وهنا مسؤوليتنا وهذا ما يتطلب تحديده.
وقبل الدخول فى معادلة الصراع مع المشروع الصهيونى فمن الأهمية الإشارة إلي أن القدس تبقى البعد العربى والإسلامى حياً. فهى جامع للمشروع التحررى سواء من منطلق وطنى فلسطينى أم قومى عربى أم إسلامى. وبناء عليه فإن فلسطين بحاجة إلي القدس لمعركة التحرر والقدس تتحرر ضمن فلسطين وليس منعزلاً عنها.
التخلى الفلسطينى الرسمى عن المقاومة كخيار إستراتيجى وحق أساسى ومشروع للشعب الفلسطينى يجعل وسائل تحرير القدس غير ممكنة ما دامت المعطيات المحلية والإقليمية والدولية الحالية قائمة. كما لا يمكن تسمية نهج المفاوضات الفلسطينى القائم بأنه إدارة صراع، فى حين أن إسرائيل تتعامل فى مفاوضاتها بمفهوم إدارة الصراع الذى يتيح لها تغيير الواقع علي الأرض واللعب علي عامل الوقت والقوة وفرض الحقائق علي الأرض. ومثل هذا الوضع لن يؤدى إلي تحرير القدس. ويصبح الواقع أسوأ بغياب مشروع قومى عربى وعملياً استبعاده أيضاً من قبل السلطة الفلسطينية ومن النظام العربى الرسمى والاستعاضة عنه بمشروع أمريكى مهيمن علي المنطقة ويستكين جراء غياب الفعل العربى.