طغت علي المعرفة الإنسانية فى الحقبة المنصرمة موجة من الـ « نهايات » وخصوصاً علي أصعدة التاريخ والفلسفة والحداثة وصولاً إلي الإنسان. فقد ادعت الوضعية المنطقية قبل ثمانية عقود نهاية الفلسفة التقليدية/الميتافيزيقيا، وطالبت بها مجرد خادمة للعلم التجريبى، ما كان من شأنه أن يضع سؤال الوجود كله فى أنبوبة اختبار. ثم تكفل جاك ليوتار بإعلان نهاية الحداثة قبل ثلاثة عقود تقريباً عندما أصدر كتابه الشهير «الظرف ما بعد الحداثى: تقرير عن المعرفة» عام 1979. ثم جـاء فرانسيس فوكوياما ليلحق بالركب معلناً نهايتين إحداهما وهى الأشـهر «نهاية التاريخ» عام 1992، وثانيتهما «نهاية الإنسان» فى كتاب حمل العنوان نفسه عام 2002. والناظـر فى هـذه الأحاديث جميعاً يلمح شـيئاً مشتركاً بينها وهو الدعوة إلي تأسيس «الما بعد»: ما بعد الفلسفة، وما بعد الحداثة، وما بعد التاريخ، وما بعد الإنسان، برغم غموض ذلك الما بعد أحياناً، وذرائعيته أحياناً أخري.
وفيما يبدو تساوقاً مع تلك الموجة الطاغية من حديث الـ «نهايات»، خصوصاً بعد أن قام العراق باحتلال الكويت، أخذ تيار عربى متنامٍ يهلل لـ «ما بعد القومية»، مرتدياً مسوح الواقعية، ومبرراً دعوته بالأزمة العامة المحيطة بالأمة. وفى السنين الست المنقضية علي احتلال العراق نفسه أخذ كثيرون يسلكون علي قاعدة نهايتها الموضوعية وإن لم يعلنوا ذلك صراحة. وتحت وطأة ضغوط النظام العالمى من الخارج، ونزعات التفتيت الطائفية العرقية والمذهبية من الداخل، وبالذات فيما بين الفصائل الفلسطينية التى كانت قضيتها الوطنية محوراً لفعل وتماسك النظام العربى، قبل أن تصير آلية تهديم وتقزيم له، تصاعدت نغمة يائسة راحت تشكك فى كل محاولة للتأكيد علي أصالة الفكرة تحت وطأة اعتقاد أو «ذريعة» أنه لم يعد هناك وقت أو حتي ضرورة للحديث عن «أمة» من الأساس إذا أردنا كأوطان اللحاق بالعصر.
وظنى أن القومية العربية حقيقة وجودية لا يجوز فيها ولا معها منطق الـ «ما بعد»، كونها تعبيراً عن وعى ملهم، وتشكيلاً ثقافيا/تاريخيا عميقاً يجعل منها انتماءً ووجوداً وليس مجرد توجه أو إيديولوجيا قابلة للهزيمة أو الزوال. وهنا تكمن حقيقة محورية وهى الارتباط النهائى بين العروبة الثقافية والعروبة السياسية. ما يعنى الترابط المؤكد بين الانتماء الثقافى العربى، وبين المحددات الإستراتيجية للإقليم العربى كقدر تاريخى لن يغيره حتي الإعلان الرسمى مدفوع الثمن من أى طرف عربى فى صحف الغرب وأمريكا نفسها بأنه لم يعد عربيا، وهى قضية مهمة لأن بعض الدول أخذت تنفلت من سياج العروبة «السياسية» لتتصرف وحدها إزاء العالم بتصور قدرتها علي التعامل معه بعيداً عن الشروط العامة التى يفرضها الانتماء الثقافى للجغرافيا العربية، أو تضن بمكانتها وجهدها المطلوبين لتأمين هذه الجغرافيا وقيادتها، أو تبحث لنفسها عن مستقبل غامض بعيداً عن الحاضر العربى الراكد بدلاً من السعى إلي استنهاضه، وهو خطأ جسيم وفوائده الموهومة محض سراب، فخصوم الأمة قد يشجعون هذا الاتجاه «الانفلاتى» لا قبولاً بمنطقه بل توظيفاً نفعياً له ضد الحس الإستراتيجى للإقليم العربى ولو بمزايا مؤقتة، فالحقيقة القومية فى عالمنا العربى بمثابة «حق» و «واجب» معاً، والمهرولون إلي أحضان الخصوم، أو المتقاعسون عن نصرة الشقيق لن ينظر إليهم باعتبارهم غير عرب بل كـ «عرب