الصفحة الرئيسية
شروط النشر
الاشتركات
من نحن
اتصل بنا
 
 
 
الموسوعة السياسية المعاصرة- الحلقــة 13     رابطة دول الجوار العربي: فكرة سابقة لأوانها    منتدى الجوار العربي .. رؤية استشرافية     فلسطين فـي الأغنيـة العربية     رابطة الجوار العربي .. بين شروط الواقع ومعطيات التاريخ     رابطة الجوار العربي: تعويض ضعف العرب بقوة جيرانهم     جامعة الدول العربية ونظـام الأمـن الجماعـي العربـي     الانسداد التاريخي .... لماذا فشل مشروع التنوير في العالم العربي ؟     
 
     
 
  رابطة الجوار العربي: تعويض ضعف العرب بقوة جيرانهم  
    خــــالد الحــروب  
    محاضـر في سيـاسة الشـرق الأوســط الحديـث ،جامعة كامبردج - انجلترا  
   

«رابطة الجوار العربى» فكرة جديدة طرحها عمرو موسي أمين عام الجامعة العربيــة فى القمة الأخيرة فى سرت أواخر شهر مارس الماضى وتقوم علي إنشاء صيغة تعاون إقليمى بين الدول العربيــة ودول الجوار، وخاصة تركيا وإيران والدول الأفريقية، وربما أيضاً دول جنوب أوروبا. ليس هناك تفاصيل تشبع فضول الباحثين بشأن المُقترح، ولا تتوفر أية وثيقة تتضمن شروحات أو تعريفات معينة. الشيء الوحيد المتوفر هو الإشارة إلي الفكرة فى خطاب الأمين العام فى اجتماعات القمة. حتى فى الموقع الإلكترونى الخاص بجامعة الدول العربيــة لا نجد أثراً للاقتراح، وهو أمر مؤسف ويحد من عمق وفاعلية النقاش حوله. لكن وبكل الأحوال يمكن القول إن تلك فكرة « الجوار العربى » هى الوحيدة التى نتذكرها عن كل ما دار فى تلك القمة رغم عدم مرور وقت طويل علي انعقادها.

بالنسبة لكاتب هذه السطور يتجسد أهم شيء تضمنته أطروحة « رابطة الجوار العربى » فى شكلها ونمط التفكير الذى تستدعيه وليس فى مضمونها. بكلمة أخري تكمن أهميتها فى جدتها وكونها ألقيت فى بركة التسيس العربى الراكد والتقليدى والمُمل، وهى بذلك تستثير الجدل والنقاش وتستحقهما. كما تأتى فى مناخ سياسى وفكرى تعوّد الرتابة وانعدام الخيال والإبداع، ويعانى من التصحر فى الأفكار، والبطء فى تطبيق أى منها فى حال تبنيه، والركون دوماً إلي رد الفعل وليس المبادأة به. فى مناخ كهذا كان من المتوقع أن تُقابل تلك الفكرة وكل ما يشابهها بالجدة والخروج عن المألوف، بالتوتر والتحفظ والرفض، وأن لا تُناقش بتوسع. وحتى القبول البارد لها من بعض الأطراف العربيــة لم يرافقه النقاش المطلوب، وقد بدا ذلك القبول أقرب إلي خجل الرافضين الذى يعتمد علي فعل الزمن لوأد الفكرة والتخلص منها. لذلك يتحتم، ابتداءً، تسجيل هذا الجانب الإيجابى « التمردى » لهذه الفكرة، أى لجهة الخروج عن المسار التقليدى السلحفائى والمحافظ للتسيس العربى، وتسجيل ذلك للأمين العام الذى بادر بها. أما فى ما يتعلق بمضمون الفكرة فإن التأمل فيها يقودنا إلي كشف خللها البنيوى وخلل توقيتها الزمنى، وهذا ما ستتعرض له هذه المقالة.

ابتداءً، ومن ناحية نظرية بحتة ينسجم أى توجه لتوسيع الإطار الإقليمى العربى باتجاه الجوار مع المنطق الراهن والمتطور للسياسة الدولية والإقليمية والعولمية، حيث تشير التجربة التاريخية المعاصرة للنظم والتكتلات الإقليمية فى عالم القرن العشرين وما تلاه إلي فاعلية، وأحياناً حتمية، الانتقال إلي صيغ تعاون إقليمية تعظم المصالح المشتركة بين الدول المتجاورة فى الأقاليم المختلفة. ومعني ذلك، نظرياً أيضاً، أنه من المفيد بل والمطلوب عربيا التفكير فى صيغ خلاقة مع الجوار العربى، وهو الجوار الذى اتسمت علاقته مع العرب بالتوتر والشكوك العميقة - من تاريخ السيطرة العثمانية التركية، إلي غطرسة إيران الشاه بلعبها دور شرطى المنطقة لسنوات طويلة، امتداداً إلي صبيانية إيران الخمينية التى أرادت هى الأخرى أن تكون شرطياً من نوع آخر يصدر ثورتها إلي دول الجوار. هذا كله إلي جانب الجار الكولونيالى الأسوأ، إسرائيل، واستمرار وتجذر مشروعاته الاحتلالية والتوسعية، والإعاقة والتشوه الإقليمى الحاد الذى يتسبب فيه كل ذلك. وربما أمكن القول إن الجوار الأفريقى ظل أقل تلك «الجوارات» تهديداً لأمن العرب، دولاً منفردة أو مجتمعين، من دون تخفيف المخاطر التى حملتها وما تزال تحملها صراعات القرن الأفريقى، والانفصال المتوقع لجنوب السودان، وحرب دارفور - والأزمة الجديدة الناشئة عن تقاسم مياه نهر النيل بين مصر والسودان من ناحية ومجموعة من الدول الأفريقية من ناحية ثانية.

 

 

 

 

أهــداف المنظومات الإقليمية:

تفيدنا التجربة التاريخية المعاصرة أيضاً بأن المنظومات والكتل الإقليمية تنشأ إما لتعزيز التعاون أو تخفيض مستويات المخاطر والتهديدات أو كليهما. وليس ثمة حاجة ملحة هنا لإثبات أطروحة تحقيق المصالح التى تعود علي الدول المنخرطة فى أشكال التعاون الإقليمى المختلفة، فهذا أمر متفق عليه. لكن من المفيد الإشارة إلي بعض الملاحظات ذات الدلالة الخاصة والتى قد تلقى بعض الضوء علي الحالة العربيــة - وجوارها. فى عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية يُنظر دوماً إلي الاتحاد الأوروبى والصيغ التى تطور عبرها علي مدار أزيد من ستين سنة علي أنه النموذج الأكثر نجاحاً والأكثف غني بالتجربة والدروس المُستفادة. وفى كل حالة من حالات التكتل الإقليمى فى عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية هناك دوماً استئناس وتقليد بالمثال الأوروبى الذى أثبت نجاحاً كبيراً. وجوهر التحدى الذى يواجه المشروعات الاتحادية والتعاونية يكمن فى كيفية ترويض المصالح المختلفة والمتناقضة للدول والوصول إلي صيغ مشتركة، تأخذ بالتوسع التدريجى علي حساب المصالح المتناقضة، وكل ذلك فى ظل التقديس الدولتى والنخبوى الهائل لفكرة السيادة وعدم التنازل عنها لأى صيغة من الصيغ. وفى الحالة الأوروبية هناك دوافع عديدة وراء تطور ونجاح صيغتها الاتحادية، بعضها خاص بالسياق الأوروبى والتجربة التاريخية التى مرت بها القارة، وبعضها الآخر ممكن أن يُستفاد منه ويتكرر فى مناطق أخري. أول وأهم الدوافع التى ضغطت علي الأوروبيين والأمريكيين لإقامة تكتل أوروبى قوى كان الخوف الغربى العام من الاتحاد السوفيتى الصاعد ونموذجه الاشتراكى الجذاب. ثم يلى ذلك الحاجة الماسة إلي بناء سوق كبير يستوعب إنتاجات الرأسمال الأمريكى. ومن تلك الدوافع أيضاً، وهو الأمر الذى يهمنا التوقف عنده هنا، دافع احتواء ألمانيا بعد هزيمتها فى الحرب العالمية الثانية وقطع الطريق علي أية إمكانية لعودة التوجهات النازية التوسعية التى تري فى الجوار الأوروبى ساحات معارك وغزو ليس إلا.

احتواء ألمانيا لم يكن رغبة خارجية فحسب، أى عند الأطراف الأوروبية أولاً، والأمريكيين ثانياً. بل سيطرت تلك الرغبة وبقوة كبيرة علي النخب الألمانية نفسها التى رأت كيف قاد الطموح النازى والجنون الهتلرى إلي تحطيم ألمانيا ودمارها. كانت نخب ألمانيا ما بعد الهزيمة تريد من العالم الخارجى أن يُساعدها علي أن تدجن نفسها، وعلي إعادة تأهيل البلد نحو مستقبل مختلف، سلامى غير عسكريتارى، متصالح مع جواره وليس مستعدياً له. وبشكل من الأشكال، ورغم التبسيط الذى قد يبدو مخلاً، أرادت ألمانيا ما بعد الحرب أن تصرف كل طاقتها القادمة فى مشروع الوحدة الأوروبية، حتى لا يتم تفريغ تلك الطاقة فى مشروع حربى متجدد مع أوروبا. ونعلم جميعاً كيف أن ذلك التفكير وما انبني عليه من سياسات جعل من ألمانيا فى سنوات لاحقة حجر الزاوية فى مشروع الاتحاد الأوروبى، والراعية الرئيسة له. أصبحت ألمانيا مثقلة بمسؤوليات قيادة القارة، بعد أن كانت مثقلة بشهوات شن الحرب عليها.

فى نفس الوقت كانت هناك عوامل مهمة ساعد غيابها علي نجاح مشروع الاتحاد الأوروبى، وأحد أهم العوامل هنا كان غياب أية أيديولوجيات بينية متناقضة داخل البيت الأوروبى. كانت هناك بطبيعة الحال الأيديولوجية الرأسمالية التى خاضت حربها العقائدية ضد الاشتراكية، لكنها كانت خياراً أيديولوجياً متوافقاً عليه أوروبيا وغربياً. لم تتبن الدول الأوروبية القيادية، بريطانيا، ألمانيا، فرنسا، إيطاليا وخلفها الولايات المتحدة، أيديولوجيات حادة مختلفة يكاد واحدها أن ينزع الشرعية عن وجود الشركاء الآخرين. معني ذلك واستفادة من التجربة الأوروبية يمكن أن نقول إن نجاح التكتل الإقليمى يحتاج إلي درجة عالية من تكثف العوامل والدوافع الضاغطة علي الأطراف المرشحة للانخراط فيه وتحقيقه: خطر مشترك خارجى، مصالح داخلية لا تتحقق إلا به، لجم نزوات التوسع لدي البعض، وجود نواة أولية صلبة من الدول التى تشكل قاعدة ذلك التكتل، وتوفر انسجام أيديولوجى عام أو علي الأقل انتفاء التناقضات الأيديولوجية الحادة، وهكذا. 

 

إيــــــران والجـــوار العـــربي:

فى حالة النظام العربى وجواره تبرز إيران بكونها الهاجس والطرف الأهم الذى يستدعى النقاش والتفكير واجتراح الصيغ المختلفة. وهنا وبالتأمل فى وجود أو غياب الأسس الأولية للشراكة الإقليمية ندرك صعوبة تحقيق صيغة تعاونية حقيقية ومعقولة. يمكن بطبيعة الحال صوغ شكل فوق تحاورى وأسمي، لكن من ناحية جوهرية هناك افتراقات حادة وكبيرة. ففى علاقة إيران مع العرب هناك عملياً ندرة للأرضيات المشتركة، ووفرة فى الشكوك المتبادلة، وهو تقرير واقع مُشاهد من قبل الجميع. ومن المفيد التوقف هنا، وفيما خص احتمالات تطور صيغ إقليمية عربية - إيرانية، عند مسألتى استمرار أو كبح السياسة التوسعية، والحمولة الأيديولوجية للمشروع الإيرانى، وخاصة بطبعته النجادية.

إيران الحالية تري نفسها ومستقبلها كقوة عظمي، إن لم تكن عالمية فأقله إقليمية، وهى تريد من الآخرين القبول بهذا الطموح. فى الجوار العربى يتجسد هذا الطموح علي شكل سياسات متنوعة، بعضها احتلالى كما الحال فى مواصلة احتلال الجزر الإماراتية، وبعضها توسعى إستراتيجى فى النفوذ، كما الحال فى دعم حزب الله وحماس، وبعضها إستراتيجى وسياسى وأمنى كما الحال فى النفوذ الإيرانى فى العراق، وبعضها دينى عقائدى كما الحال فى محاولة التأثير فى الشيعة العرب فى المنطقة وتحويل ولائهم. كل هذه التعبيرات والتطلع نحو الخارج هو تمظهر لاندفاعات أيديولوجية تخيف الجوار العربى الرسمى، الذى يتضاعف خوفه بسبب مستويات من التلقى الشعبى أو علي الأقل عدم الرفض الشعبى الجماعى للاندفاعات الأيديولوجية الإيرانية. ونعرف أن ذلك التقبل الشعبى قائم فى معظمه علي خلفية فشل العرب أنفسهم وأنظمتهم فى التعبير عن مصالح شعوبهم والدفاع عنها بما يدفع تلك الشعوب للتطلع نحو أطراف خارجية تمتلك إرادة اتخاذ مواقف قوية ضد التدخلات الخارجية وضد الغطرسة الإسرائيلية تحديداً، وهنا تبرز إيران وتركيا كدول جاذبة وذات مواقف مستقلة، مقارنة بمواقف معظم الدول العربيــة.

والجانب الآخر المتعلق باندفاعات إيران الأيديولوجية هو أن إيران نفسها، وخاصة النجادية الرسمية، لا تستشعر بضرورة كبح جماح نفسها، كما أن القوي الداخلية المعارضة والتى تريد للبلاد وسياستها التوقف عن تفكير تصدير الثورة بأصله القديم أو أشكاله المتجددة هى نفسها مكبوحة ومقيدة. معني ذلك فى ما خص قيام علاقات وصيغ تعاون إقليمى وروابط جوار عربية - إيرانية أنه لا ظروف ولا طبيعة السياسة الإيرانية الحالية، وغياب إدراكها لمخاطر أيديولوجيا التوسع المسيحانى، وضعف القوي المحلية التى قد تعى ضرورة صوغ منظومة إقليمية تكبح الاندفاعات المؤدلجة، تدفع نحو اتجاهات تعاونية، وكل ذلك يضعف من منطق ومعقولية رابطة الجوار العربى.

 

تنصـــيب تركيا قائــــداً للعــــرب ؟

الدولة الثانية التى قد تقع فى قلب فكرة رابطة الجوار العربى هى تركيا، ومقاربتها مختلفة عن مقاربة إيران. تركيا الحالية غير مخيفة من ناحية أيديولوجية، وتفترق عن إيران بمذهبها السنى، ولا تعكس سياستها النشطة رغبات توسعية تستهدف السيطرة ومد النفوذ بالطريقة الإيرانية. وأنقرة رحبت بفكرة الجوار العربى وربما تكون متحمسة بالفعل لها، ذلك أنها توفر لتركيا غطاءً إقليميا مريحاً لسياستها الخارجية الفاعلة والمتجهة نحو الشرق بترسخ. تركيا رجب طيب أردوغان وأحمد داوود أوغلو لا تريد أيضاً أن تستفز العرب وتثير حساسياتهم التاريخية إزاء نهايات الحقبة العثمانية سيئة الصيت. وتعزيز نفوذها فى المنطقة العربيــة تريده أن يكون سلساً ومقبولاً علي عكس النفوذ الإيرانى.

وإذا كان وجود إيران فى الجوار العربى يثير مخاوف التوسع الأيديولوجى والغطرسة النجادية عند الأنظمة العربيــة التى تحاول التأكيد علي مذهبية المشروع الإيرانى للتخفيف من جاذبيته السياسية، فإن وجود تركيا فى ذلك الجوار يُقابل بحيرة رسمية. فمن جهة يمثل امتداد تركيا فى قلب العالم العربى حضوراً مُرحباً به كى يعادل الامتداد الإيرانى ويكبح من جماحه، ومن جهة أخري فإن ذلك النفوذ يثير عند تلك الأنظمة مخاوف التوسع السياسى السلس، معطوفاً عليه المقبولية السنية والتأييد الشعبى الواسع - خاصة بعدما ترسخ فى المزاج الشعبى العربى أن تركيا تتبني مواقف صلبة إزاء إسرائيل لا تتبناها كثير من الدول العربيــة كما تبدي فى حرب غزة فى نهاية 2008، وترسخ فى الموقف التركى الصلب ضد إسرائيل عقب جريمة إسرائيل ضد أسطول الحرية فى أواخر مايو 2010 والذى كان متوجهاً إلي شاطئ غزة لتحدى الحصار الذى تفرضه إسرائيل. من هذه الزاوية يمكن إذن تخُيل صيغة إقليمية تعاونية عربية - تركية. لكن هناك اشتراطات ثانية ومن زوايا أخري تعيق قيام مثل هذه الصيغة، أهمها غياب النواة العربيــة الصلبة، القاعدة المفترضة لتلك الصيغة الإقليمية، كما سيأتى لاحقاً.

 

دعوة الجــوار للانضمام إلى الفراغ الإقليمي:

علي ذلك فإن مضمون فكرة «رابطة الجوار العربى» يتهاوي أمام أى تحليل دقيق سواء من ناحية ظرفها المكانى والزمنى، أو افتقاد شروط الحد الأدنى الموضوعية لنجاحها. فالطموح الذى تجنح به الفكرة لا يسنده أى واقع علي الأرض عربيا وإقليميا، مع الأسف. فمن ناحية الظرف الزمنى تمتاز اللحظة العربيــة الراهنة بتشرذم وانقسام محاور ربما كان غير مسبوق، يكاد يدفع إلي مربعات اليأس من وجود إمكانية قيام أى « تعاون عربى » مشترك، ناهيك عن ضم دول الجوار له. ومن ناحية ظرفية زمانية أيضاً، تورط إيران نفسها حالياً فى معركة مع العالم بأسره بسبب ملفها النووى، وتظهر سياسة خارجية هجومية واستعلائية إزاء الدول العربيــة، تهشم أى قواعد مشتركة للتعاون الإقليمى. أما أفريقياً، فإن تداعيات حروب السودان جنوباً وغرباً، ثم تطورات ملف حوض نهر النيل والتوترات التى رافقته، تحيل فكرة صوغ رابطة جوار عربى مع دول ناقمة علي العـرب إلي تمرين تهكمى. والتوجـه نحـو جنوب القارة الأوروبية كجزء من « رابطة الجوار العربى » يدفع بالسؤال البدهى لماذا ستوافق تلك الدول علي الانضمام لمثل هذه الرابطـة التى تفتقد إلي محرك مركزى فى حين أنها منضمة أصلاً إلي «سياسة الجوار الأوروبى» (European Neighborhood Policy) وهى الصيغة الإقليمية التعاونية التى أسسها الاتحاد الأوروبى للدول المجاورة له منذ سنوات.

إضافة إلي كل ذلك تبقي المعضلة الأساسية والمتعلقة بـ «النواة الصلبة» أو «القاعدة» المركزية التى يلتف حولها «الجوار». وهنا نري بوضوح الخلل النظرى والعملى الكبير فى فكرة رابطة «الجوار العربى» يكمن فى أن «الجوار» موجود، لكن «العربى» غائب فى الصيغة المطروحة، إستراتيجياً وتأثيرياً. ما هو موجود مكان «العربى» هو الفراغ، بما يعنى أن الفكرة برمتها ستعنى فيضان «الجوار» علي ذلك الفراغ وملئه. إن أى توسع إقليمى يهدف ضم دول إضافية إلي مجموعة تأسيسية معينة سيستند إلي صلابة دول النواة - أى فى حالتنا هذه صلابة المنظومة الإقليمية العربيــة وعنوانها الجامعة العربيــة، وتشكل هذه النواة المفترضة، بقوتها ومتانتها، مصدر جذب وإغراء إلي ما جاورها من أطراف. ومن دون وجود النواة الصلبة المؤسسة للشكل الإقليمى الموسع (الجوار العربى هنا) فإن ذلك الشكل المُقترح ليس له معني عملى أو فرصة للتطبيق الحقيقى. ولا يشكل الإقليم العربى فى الوقت الراهن منظومة سياسية تعاونية معقولة، ناهيك أن تكون محكمة أو جذابة. وليس لدي المجموعة المُشكلة لهذا الإقليم ما تعطيه للآخرين من منطلق جماعى إقليمى.

فى «سياسة الجوار الأوروبى» التى ربما كانت فى الخلفية العامة لمقترح عمرو موسي، ضم الاتحاد الأوروبى باعتباره النواة الصلبة والأساسية لفكرة التوسع والتحرك الإقليمى الدول الواقعة جنوب وشرق حدوده. ومن بنود تلك السياسة تقديم مساعدات مالية وغير مالية فى أكثر من مجال بهدف توسيع نطاق التناغم السياسى والقيمى حول الاتحاد الأوروبى، واعتبار ذلك الخطوة الابتدائية الأولي للدول الراغبة بالانضمام للاتحاد (وخاصة الشرق أوروبية). دول الجوار الأوروبى ضعيفة وفقيرة مقارنة بدول الاتحاد الأوروبى نفسه، والاقتراب جوارياً وسياسيا من الاتحاد الأوروبى يفتح أمامها بعض المجالات لتطوير قدراتها الذاتية. وهكذا فإن طبيعة العلاقة الإقليمية واضحة، والاستفادات المتبادلة شبه واضحة أيضاً. ورغم ذلك الوضوح، ورغم صلابة النواة الجاذبة للجوار، فإن «سياسة الجوار الأوروبى» تواجه عقبات كبيرة وانتقادات متزايدة، أهمها فقدان المعايير الموحدة فى التعامل مع دول مختلفة فى كل المجالات، وغياب الأرضيات المشتركة بين الدول الجوارية (مثلاً، ما الذى يجمع بين ليبيا ومولدافيا، أو بين تونس وبيلاروس؟)، فضلاً عن الخلافات السياسية والتحالفية العديدة خاصة مع موسكو أو تلك العابرة للأطلسى مع واشنطن وتأثيراتها التشتيتية علي أوروبا.

مشروع «رابطة الجوار العربى» يغامر بطرح فكرة طموحة لكنها غير ناضجة لا تحاول تقليد «سياسة الجوار الأوروبى» وفقط، بل وتتجاوزها طموحاً، إذ هى تريد جمع تشاد مع أسبانيا، وإيران مع إيطاليا، وإريتريا مع اليونان وذلك كله مع غياب كلى للمركز من ناحية جغرافية، وغياب للهدف من ناحية إستراتيجية. لا يحتمل الجسد العربى المهلل توسعاً بهذا المستوي، ولا حتى أقل منه بكثير، فضلاً عن أنه لا يمتلك أى جاذبية سياسية وإقليمية لإغراء تلك الدول للانضمام إليه. وعلينا أن نتذكر هنا أن دولة مثل إريتريا، بضعفها وفقرها وحاجتها المُفترضة للانضواء فى أى تجمع إقليمى مجاور، تكبرت عن الانضمام إلي الجامعة العربيــة ولم تجد أى إغراء فى ذلك يستحق أن يُبذل من أجله الجهد. وعلينا أن نتذكر أيضاً أن دولة مثل ليبيا تنفلت يوماً إثر يوم من الجامعة العربيــة وتري فى مشروعات الاتحاد الأفريقى، التى تنافس هشاشتها وعدم عمليتها مشروعات التضامن العربى، إغراءً أكثر من الجامعة العربيــة نفسها. هذا فضلاً عن معظم الدول العربيــة حتى لا نقول كلها تنظر بتهكم إلي كل ما له علاقة بالعمل العربى المشترك ولا تعطيه سوي فتات وقتها ومواردها واهتمامها.

عندما يريد العرب كمجموعة «احتواء» جوارهم الإقليمى فعلي أى أساس وهدف إستراتيجى وسياسى يمكن أن يتم ذلك؟، وما هى الأهداف العربيــة المشتركة إقليميا ودولياً التى يُراد تعزيزها أو حمايتها أو تطويرها من خلال «رابطة الجوار العربى»؟، وما هى الإستراتيجية التى يُبتغي تنفيذها وضم الجوار إليها ؟، وما المعني العملى والتطبيقى لذلك كله ؟، وما الذى سيقدمه العرب لدول الجوار ليملأ النواقص والاحتياجات التى تواجهها تلك الدول وتجعلها مقتنعة بالانضمام إلي «الرابطة»؟. الجواب المؤسف علي كل تلك الأسئلة هو «الفراغ واللاشيء». وهكذا وبسبب غياب أى فعل وفاعلية عربية حقيقية فإنه يُستعاض عن ذلك كله بطرح لصيغ إقليمية فضفاضة إطارية لكن غير جوهرية حتى لو تحققت، وكأن الشكل والشعار والصيغة العامة تعوض عن فقدن الجوهر والمضمون.

ثمة بطبيعة الحال عوامل وهواجس وقلق تقف خلف الرغبة فى صوغ علاقات عربيــة جوارية صحية وتعاونية، لكن حسن النيات لا قيمة له من دون أسس عملية ومصلحية علي الأرض. وهنا من الممكن القول بأن الهاجس الإيرانى وكيفية احتوائه هو العامل الأساس وراء الفكرة، وهو هاجس عربى حقيقى. ولا يكفى القول هنا بأن إسرائيل هى مصدر التهديد الأساسى للأمن القومي العربى، لـ «نقض» الهواجس الأمنية والإستراتيجية العربيــة إزاء إيران النجادية وأوهام «دولة الإمام المُنتظر» القريبة، والتى يري أحمدى نجاد نفسه مؤسسها. وهنا من المهم القول إن الطرح الثانى الذى تضمنه خطاب الأمين العام للجامعة العربيــة فى قمة سرت كان أكثر عملية وإلحاحاً وإمكانية للتطبيق وهو فتح حوار إستراتيجى مع إيران يضع علي الطاولة كل تلك الهموم والهواجس. ففتح حوار فاعل وصريح مع طهران يجب أن يسبق الحديث عن أى صيغة من صيغ التعاون الإقليمى، علي أن يمر بتأسيس آلية دائمة لحوار عربى - إيرانى، تمهد الطريق عبر المكاشفة الجماعية لأى تطور تعاونى مستقبلى.

وهكذا وبشكل مجمل فإن فكرة «الجوار العربى» لا تعانى وحسب من غياب أية بنية إقليمية لمنظومة عربيــة قوية يمكن أن تشكل أساساً لأى توسع إقليمى مهما كان شكله، بل تطرح نفسها لـ «الجوار» فى أسوأ وقت يتجسد فيه «الفراغ الإقليمى العربى». وكأن الدعوة هنا تُقدم لدول نشطة وقوية وذات برامج وأجندات إقليمية مثل تركيا وإيران كى تملأ الفراغ الإقليمى الناتج عن التلكؤ العربى وعدم الفاعلية. وهاتان الدولتان علي وجه التحديد تتحركان فى الإقليم العربى بنشاط وتأثير، كل لأهداف ومصالح خاصة بها، من دون الحاجة إلي الرابطة المقترحة. ولم نعرف علي وجه التحديد إن كانت فكرة الرابطة ستتيح للدول العربيــة أن تتحرك فى الفضائين التركى والإيرانى أم لا. لكن لنا أن نتوقع غياب أى رغبة أو إرادة لدي الدول العربيــة فى القيام بذلك، فهذه الدول لا تتحرك فى فضائها الخاص بها فضلاً عن فضاءات الآخرين.

 
     
 
     
مواضيع ذات صلة
 
العرب والسياسة الدولية: انعدام التأثير والتهميش الذاتي
 
 
 
ابـواب الــعـدد
     
 
   
اكثر المواضيع قراءه
 
 
 
     
 
الصفحة الرئيسية :: شروط النشر :: الاشتركات :: من نحن :: اتصل بنا
جميع الحقوق محفوظة لمجلة شؤون عربية 2009 © تصميم وتطوير شركة ميركو ايجيبت