بعد زيارة العاهل السعودى إلي دمشق (أكتوبر 2009) عمّت أجواء من التفاؤل، وتمنّي كثيرون أن يتطور تقارب البلدين مستقبلاً إلي رؤية إستراتيجية عربيـة متكاملة تعقبها سياسات عملية تدرأ الأخطار المتزايدة التى تهدد النظام العربى إجمالاً ودوله المختلفة كل علي حدة.
وفى هذا الإطار ثمة أهمية للتناول العلمى لمستقبل العلاقات العربيـة-العربيـة كونه المدخل الضرورى للتعامل مع تصاعد التحديات الإقليمية والدولية. ومن نافل القول التأكيد علي أن إرساء أسس لأى دور عربى يبقي غير ممكن ما لم تتحرك الدول العربيـة فى إطار يعكس درجة معقولة من التضامن والتنسيق المشترك، ولو فى حده الأدنى.
وحتى لو قال البعض بحق إن إحياء المثلث المصرى-السعودى-السورى لم يعد كافيا بمفرده كآلية لقيادة النظام العربى، أو أن صلاحية هذا المحور قد انتهت عملياً منذ حرب لبنان صيف 2006، أو غير ذلك من الحجج، فإن ذلك لا يقلّل من أهمية دراسة الوضع الراهن للعلاقات البينية لأطراف هذا المحور؛ أقلُّه لأن دوله الثلاث شديدة التأثير علي أوضاع النظام العربى سلباً فى حال اختلافها وإيجاباً حال اتفاقها.
ورغم ذلك يبقي صواباً القول إنه لا توجد اليوم دولة عربيـة يمكنها الاضطلاع وحدها بأعباء قيادة النظام العربى نظراً لانتشار عناصر القوة المادية والمعنوية بين وحداته، الذى يفرض بالتبعية انتشاراً فى الوظيفة القيادية بين عدة دول. أو ما يعبر عنه أحياناً بأنه فى النظام العربى بعض الدول لها وزن خاص أو تمثل مركزاً للثقل والتأثير، لكن لا توجد دولة واحدة تحدد مسار هذا النظام بمفردها، سوا تعلق الأمر بإقناع بقية الدول بالسير خلف توجهاتها أو منعهم من عرقلتها.
ويبدو أن غياب الدولة القائد سيبقي احدي إشكاليات العلاقات العربيـة-العربيـة. ومن المتوقع أيضاً أن تستمر التوازنات العربيـة الموجودة فى كل إقليم من الأقاليم العربيـة، بما يجعل لكل إقليم (الخليج العربى، المشرق العربى، إقليم الوسط والجنوب، إقليم المغرب العربى) دولته الرئيسية. وحلاً لهذه الإشكالية يمكن اعتماد صيغة التكامل الإقليمى علي المستوي العربى بما يعنى قيام كل دولة بدور لخلق الترابط فى العلاقات العربيـة، وفقاً لإمكانات كل دولة والظروف التى تمرّ بها. والمهم هو الوصول إلي توافق حول الأدوار بما يعنى توزيع الأدوار وتكاملها فى نطاق التفاعلات العربيـة كبديل لغياب الدولة القائد.
ثمة تساؤلات مشروعة يمكن أن تطرح هنا: ما هى إمكانية أن نشهد نهاية لصراع الأدوار العربيـة، وإلي أى مدي يمثل التقارب الراهن بين السعوديــة وسوريـا خطوة فى هذا الاتجاه ؟ وأى تأثير سينتجه هذا التقارب علي العلاقات العربيـة-العربيـة ؟ وما تأثير التفكك الظاهر علي النظام العربى علي فرص المصالحات العربيـة مستقبلاً ؟.
المؤكد هنا أن دراسة العلاقات السعوديــة-السوريـة واحتمالات تطورها لا تنفصل أبداً عن سياقها العربى الأشمل المحكوم حالياً بثلاثة ملامح رئيسية، هى: استعادة حديث المصالحات العربيـة (الجزئية) منذ القمة العربيـة الحادية والعشرين بالدوحة فى مارس 2009، بشكل بات يتكرر قبل كل قمة عربيـة فيــما يعكس محدودية المصالحات وآنيتها وهشاشتها إلي حد كبير كونها تأتى استجابة لجهود فردية أكثر من كونها عملاً مؤسسياً، ولا تعكس التوصل إلي رؤية مشتركة لمواجهة تحديات خطيرة، هذا فضلاً عن عدم اكتمال بعض المصالحات كالمصالحة المصرية-القَطرية، وأن بعض المصالحات قد تمّ بـ «لغة صراعية» كما هو الحال فى المصالحة الليبية-السعوديــة.
أما الملمح الثانى فيتعلق بأن النموذج العام للعلاقات العربيـة-العربيـة قائم علي «الانتقال من التضامن إلي الصراع علي نحو منتظم فى الاتجاه وإن كان متفاوتاً فى سرعته. ويبدو أن السبب المباشر لهذا هو أن الصراعات العربيـة-العربيـة كانت تعامل دائماً بمنطق التهدئة وليس الحل أو حتى التسوية، بل إن هذه التهدئة كانت تحدث غالباً لمواجهة خطر خارجى، وما إن ينتهى هذا الخطر أو تخف حدته حتى تعود التناقضات العربيـة-العربيـة إلي الظهور مجدداً».
وأخيراً يشير الملمح الثالث إلي بروز دور وسائل الإعلام فى تسعير الصراعات العربيـة-العربيـة من خلال انخفاض مستوي مهنية كثير من الإعلاميين وممارسة ما يشبه «التعبئة الحربية»، كما تابع المخلصون بقلق بالغ الحملات الإعلامية بين مصر والجزائر التى عبرت عن صراع مكبوت ربما لم يتخيل أحد حدوثه يوماً حول مباراة كرة قدم لا أكثر، لتضيف الرياضة سبباً جديداً للصراعات العربيـة وتجيّش الجماهير لمعركة وهمية.
وعلي ضوء هذه المقدمة ستتناول هذه الدراسة عملية التقارب السعودى - السورى بقراءة السياق المحيط بها، وخطواتها وتداعياتها علي العلاقات العربيـة-العربيـة.
لقراءة المقال كاملا يرجي تحميل الملف PDF
لمزيد من التفاصيل واستعراض أهم الآراء فى هذا الصدد انظر - أحمد يوسف أحمد : تأثير الثروة النفطية علي العلاقات السياسية العربيـة، القاهرة، دار المستقبل العربى، 1985، ص40-53.
أحمد يوسف أحمد : قمة الدوحة ومعضلة النظام العربى، المستقبل العربى، العدد 363، مايو 2009، ص10-11.